منتديات حبنا

فقدت كلمة السر اضغط هنا واتبع الخطوات

 
إعلن معنا

 

 


العودة   منتديات حبنا > منتديات عامة > السياسة والقضايا الواقعية

السياسة والقضايا الواقعية اخبار , اخبار العالم , اخبار الجزيرة , السياسة


الصواعق الالهية في الرد على الوهابية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب اخو المبتدع محمد بن عبد الوهاب

السياسة والقضايا الواقعية


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-18-2008, 12:52 PM   #1
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
العمر: 28
المشاركات: 51
معدل تقييم المستوى: 21 إبن أبي will become famous soon enough

افتراضي الصواعق الالهية في الرد على الوهابية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب اخو المبتدع محمد بن عبد الوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وعلى اله الطاهرين وصحبه المخلصين


أن توحيد الله سبحانه وتعالى من أشرف ما يتصف به الإنسان، ومعارفه من أشرف المعارف، ولذلك نجد كل الرسالات السماوية كان جُلَّ اهتمامها هو نشر التوحيد، بل كان هو الحد الفاصل بين أتباع الرسالة وغيرهم، ومن هنا كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقاتل الكفار حتى يقولوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهذا مما لا يختلف فيه مسلمان على وجه هذه الأرض منذ البعثة إلى أن جاء محمد بن عبد الوهاب، فَقَتَل المؤمنين الموحدين تحت راية التوحيد وهذا مما أكده أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) حيث يقول في كتابه:
(من قبل زمان الإمام أحمد في زمن أئمة الإسلام حتى مليت بلاد الإسلام كلها ولم يرو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك ولا قالوا هؤلاء مرتدون ولا أمروا بجهادهم، ولا سموا بلاد
المسلمين بلاد شركٍ وحرب كما قلتم أنتم بل كفرتم من لم يكفر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها، وتمضي القرون على الأئمة من ثمانمائة عام ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنه كفر بل ما يظن هذا عاقل، بل والله لازم قولكم أن جميع الأمة بعد زمان أحمد (رحمه الله تعالى) علماؤها وأمراؤها وعامتها كلهم كفار مرتدون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واغوثاه إلى الله! ثم واغوثاه أن تقولوا كما يقول بعض عامتكم أن الحجة ما قامت إلا بكم).
ويقول أيضاً: (فإن اليوم ابتُلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومها ولا يبالي من خالفه. وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم تكن فيه خصلة واحدة من فعال أهل الاجتهاد لا والله، ولا عُشر واحدٍ، مع هذا فراح كلامه ينطلي على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، الأمة كلها تصيح بلسان واحد، ومع هذا لا يرد لهم في كلمة بل كلهم كفار وجهال: اللهم أهد
هذا الضال ورده إلى الحق).
هذا ما يدعوا إليه الوهابية من التوحيد، وهو في الواقع تكفير كل المسلمين ووصفهم بالشرك، كما يقول محمد بن عبد الوهاب (إن مشركي زماننا ـ أي المسلمين ـ أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء ويوحدون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (سورة العنكبوت: آية/ 56).
والناس عادةً نناقش الوهابية في أمور فرعية تتفرع من مفهومهم العام للتوحيد والشرك، ونحن هنا نريد أن أحول مسار النقاش من الفروع إلى الأصول والمفاهيم العامة في تحديد مناط العبادة.
إن مفهوم العبادة عند الوهابية هو " مطلق الخضوع والتذلل وتكريم وتعظيم غير الله ".
إذا سلمنا مع الوهابية... بصحة هذا المفهوم فإننا لا يمكن أن نعاتبهم على النتائج التي يمكن الوصول إليها، فعندما نرى مسلماً يتمسح ويتبرك بضريح فإن مفهوم العبادة الذي سلمنا به سوف ينطبق عليه، لأنه
يتذلل لغير الله فيكون بذلك عابداً للضريح وبالتالي يكون مشركاً، وهذا استنتاج منطقي صحيح وفقاً للقاعدة التي تقول (كل متذلل لغير الله مشرك، وهذا متذلل، إذاً هذا مشرك)، ولكن الحقيقة والواقع إن الكبرى( أي كبرى القياس، فالقياس ينقسم إلى كبرى، وصغرى، ونتيجة، فالكبرى هنا كل متذلل.. والصغرى، هذا متذلل، والنتيجة هذا مشرك) غير مسلم بها، فكل متذلل لغير الله مشرك كاذبة، وهذه بديهة عقلية وعقلائية، ويمكن معرفة ذلك من الواقع الذي يعيشه أي إنسان، فإن من طبيعة البشر الإحترام بل من الأخلاق في بعض الأحيان التذلل لبعضنا البعض كتذلل التلميذ لأستاذه، وقد جعل القرآن الكريم شعار المؤمن التذلل للمؤمن {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} سورة المائدة اية 54 كما أمرنا الله سبحانه وتعالى بتعظيم الوالدين والتذلل لهم {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ} (سورة الإسراء: آية/ 24)، وأكثر من ذلك إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، والسجود كما تعلمون أكمل مرتبة في الخضوع والتذلل، فإذا كان كما تدعي الوهابية فتكون كل
الملائكة مشركه وإبليس هو الموحد الوحيد لأنه رفض السجود، ولا يمكن أن يحتج محتج بأن السجود هنا كان بأمر الله لأن الله لا يأمر بالشرك والباطل إذا كانت ماهية السجود هي العبادة، قال تعالى: { قل إن الله لا يأمُرُ بالفحشاءَ أتقولون على اللهِ ما لا تعلمون }الأعراف آية 28، إلا إذا قلنا إن أصل السجود ليس عبادة وهو الحق، أما إذا كان عبادة ولكن الله أمر بها فإن الأمر الإلهي لا يغير ماهية الشيء لأنها من لوازم الموضوع ولا يمكن أن يتصور الموضوع معزول عن الماهية. ومما يدل أيضاً إن ماهية السجود ليس عبادة سجود سيدنا يعقوب وأولاده لسيدنا يوسف قال تعالى: {رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} (يوسف: آية/100). فإن هذا السجود لم يكن بالأمر الإلهي كما إن الله سبحانه لم يعاتب نبيه على ذلك ولم يصفه بالشرك.
فإذاً لا يمكن أن يكون أي خضوع أو تذلل عبادة، ولابد أن يكون هناك ملاكٌ آخر أكثر دقة وهو مسألة الاعتقاد، فإن الخضوع إذا كان مقترناً

بالإعتقاد، بألوهية المخضوع لَهُ، فيكون هذا الخضوع عبادة بل إن أي تصرف يكون بدافع الاعتقاد لغير الله فهو مصداقٌ للشرك، فالخضوع والتذلل بمعزله ليس شركاً والإعتقاد الألوهية في غير الله شرك وإن كان من غير خضوع أو تذلل، فيتضح من ذلك أن العبادة هي خضوع مقترن بالاعتقاد في غير الله تعالى، أما الخضوع والتذلل من غير اعتقاد يمكن أن يناقش من جهة الحسن والقبح، وهذا دائر مدار العناوين التي تطرأ على التذلل، فمثلاً يكون تذلل المؤمن لغير المؤمن قبيح، ونفس هذا التذلل عندما يكون من المؤمن للمؤمنين يكون حسناً بل هو مستحب، فإذاً هو خارج تخصصاً عن مبحث التوحيد والشرك، وسحبه على هذا البحث يكون مقدمة فاسدة تؤدي إلى نتائج حتماً فاسدة.
أما القول إن هؤلاء الجهال يطلبون من الميت ويتوسلون به، وهو لا ينفع ولا يضر، أو يطلبون حتى من الحي طلباً لا يقدر على فعله فهو شرك.
هذا الكلام لا يقبله جاهل فضلاً عن عالم لأن هذا بعيدٌ كلَّ البعد عن مورد الشرك، فإن معنى الميت
لا ينفع ولا يضر غير تام، لأن الحي بهذا المعنى لا ينفع ولا يضر أيضاً من دون الله، وبما أن الحي ينفع ويضر بإذن الله كذلك الميت، فليس هناك استقلالية بالفعل سواء من الحي أو الميت، وبذلك لا يكون هنالك غرابة في الطلب من الميت لأنه كالطلب من الحي، وإنما يكون البحث كل البحث عن جدوى الطلب أو عدم جدواه، وهذا خارج جملةً وتفصيلاً عن مسار البحث، ولتوضيح الصورة أضرب لكم مثالاً: إذا طلبت من شخص أن يحضر لي كأساً من الماء هل في هذا شرك؟؟!!
وفي نفس الوقت إذا طلبت هذا الطلب من نفس هذا الإنسان ولكنه كان نائماً فهو في الواقع لا يقدر على فعل هذا الأمر، ولكن هل يمكن أن تقول أنك مشرك لأنه لا يقدر؟؟!!
بل أكثر ما يمكن أن يقال في حقي أن طلبك طلب عبثي لا جدوى منه، أو سميني حتى مجنوناً ولكن لا تصِفْني بالشرك.
وبهذا عرفنا إن عدم القدرة على الفعل ليست ملاكاً في التوحيد والشرك.

أما الكلام إن طلب الأمور المادية لا إشكال فيها وإنما الشرك هو طلب الأمور الغيبية التي لا يقدر عليها إلا الله.
فأنَّ في هذا الكلام مغالطة لأن السنن المادية أو الغيبية ليسَ لها دخل في ملاك التوحيد والشرك، وأنا بدوري أسأل: هل هذه السنن هي مستقلة عن الله بمعنى أنها تعمل بقدرة ذاتية منفصلة عن الله أم أنها بإذن الله وإرادته؟ وهنا المحور، فإذا تعامل معها الإنسان باعتبار أنها مستقلة فهو مشرك سواءً كانت مادية أو غيبية، أما إذا كان باعتبار أنها قائمة بالله تعالى وبإذنه فهذا هو عين التوحيد، وأقرِّب لكم هذه الصورة بمثال: إذا مرض إنسان فمن الطبيعي أنه سيذهب إلى الطبيب، فإذا كان ينظر له بأنه قادر على شفائه بقدرة ذاتية منفصلة عن الله كان مشركاً ولا يشك في ذلك اثنان، أما إنه يشفي المريض بقدرة الله وإرادته فلا إشكال في ذلك بل هو عين التوحيد، فمن هنا نعرف إن السنة والسبب ليس لها اعتبار بعنوان أنه مادي أو غيبي وإن مدار الكلام هو الاعتقاد باستقلالية هذه الأسباب أو عدم استقلاليتها، وتحت
هذه القاعدة يمكن أن نقيس كل موضوع سواء كان طلب إحضار كأس من الماء أو طلب الذرية والولد من نبي او ولي من أولياء الله وكلاهما محكومٌ ـ بالقاعدة.
أما القول "لا يقدر عليها إلا الله" بهذا المعنى الذي أطلقته لا يوجد شيء في صفحة الوجود يقدر على فعل شيء، وإنما القادر الحقيقي هو الله، ولكن المسألة لا تؤخذ بهذا الإطلاق، كما إن الله أعطى الإنسان القدرة على فعل بعض الأشياء بإذنه ومشيئته، أعطى عباداً من عباده أسراراً وقدرات لم يعطيها لغيرهم، مثلما كان عند الأنبياء من إحياء الموتى وشفاء المرضى، بل حتى ما كان عند أتباع الأنبياء مثل إحضار عرش بلقيس والأمثلة كثيرة في القرآن الكريم.

 

 

 


آخر تعديل بواسطة إبن أبي ، 11-18-2008 الساعة 01:14 PM.
إبن أبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-18-2008, 12:59 PM   #2
عضو
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
العمر: 28
المشاركات: 51
معدل تقييم المستوى: 21 إبن أبي will become famous soon enough

افتراضي رد: الصواعق الالهية في الرد على الوهابية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب اخو المبتدع محمد بن عبد الوهاب

الصّواعق الإلهيّة
في الرّدّ على الوهّابيّة

تأليف العالم الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي


بسم الله الرّحمن الرّحيم و به ثقتي
الحمد لله رب العالمين و اشهد ان لا اله اّلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله ارسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره
المشركون صلى الله عليه و على آله الى يوم الدين.
اما بعد من سليمان بن عبد الوهاب الى حسن بن عيدان سلام على من اتبع الهدى
و بعد قال الله تعالى (وَ ْلتَكنْ مِنْكمْ ُامَّةٌ يَدْعُو َن اَِلى الْخَيْرِ وَ يَأمُرُو َن بِاْلمَعْرُوفِ
وَ يَنْهَوْن عَنِ الْمُنْكرِ ) آل عمران : 104 و قال النبي صلى الله عليه و سلم (الدين
النصيحة) و انت كتبت ألي كثيرا من مرة تستدعي ما عندي حيث نصحتك على
لسان ابن اخيك فها انا اذكر لك بعض ما علمت من كلام اهل العلم فان قبلت فهو
المطلوب و الحمد لله و ان ابيت فالحمد لله فانه سبحانه لا يعصى قهرا و له في كل
حركة و سكون حكمة.
{فنقول} اعلم ان الله سبحانه و تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم
بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و انزل عليه الكتاب تبيانًا لكل شئ فانجز
الله له ما وعده و اظهر دينه على جميع الاديان و جعل ذلك ثابتا الى آخر الدهر حين
انخرام انفس جميع المؤمنين و جعل (امته) خير الامم كما اخبر بذلك بقوله (كنْتُمْ خَيْرَ
اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاس ) آل عمران: 110 و جعلهم شهداء على الناس قال تعالى (وَ
َ كذلِكَ جَعَلْنَاكمْ اُمًَّة وَسَطا لِتَكونُوا شُهَدَآءَ عََلى النَّاسِ ) البقرة: 143 و اجتباهم
كما قال تعالى (هُوَ اجْتَبَيكمْ وَ مَا جَعَل عََليْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الحج: 78 و
قال النبي صلى الله عليه و سلم (أنتم توفون سبعين امة انتم خير ها و اكرمها عند الله )
و دلائل ما ذكرنا لا تحصى و قال صلى الله عليه و سلم (لا يزال امر هذه الامة
مستقيما حتى تقوم الساعة) رواه البخاري و جعل اقتفاء اثر هذه الامة واجبا على كل
احد بقوله تعالى (وَ يَتَّبِعْ َ غيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سآءَتْ
مَصِيرًا ) النساء: 115 و جعل اجماعهم حجة قاطعة لا يجوز لاحد الخروج عنه و
دلائل ما ذكرنا معلومة عند كل من له نوع ممارسة في العلم.
اعلم ان ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم ان الجاهل لا يستبد برأيه بل
يجب عليه ان يسئل اهل العلم كما قال تعالى (َفسَْئلُوا َاهْل الذِّكْرِ اِن ُكنْتُمْ َلاتَعْلَمُوَن) النحل: 43 و قال صلى الله عليه و سلم (هل لا اذا لم يعلموا سئلوا فانما دواء العيّ السؤال ) و هذا اجماع قال في غاية السؤال قال الامام ابو بكر الهروي اجمعت العلماء قاطبة على انه لا يجوز لاحد ان يكون اماما في الدين و المذهب المستقيم حتى
يكون جامعا هذه الخصال (و هي) ان يكون حافظا للغات العرب و اختلافها و معاني
اشعارها و اصنافها و اختلاف العلماء و الفقهاء و يكون عالما فقيها و حافظا للاعراب
و انواعه و الإختلاف عالما بكتاب الله حافظا له و لاختلاف قرائته و اختلاف القراء
فيها عالما بتفسيره و محكمه و متشابهه و ناسخه و منسوخه و قصصه عالما باحاديث
الرسول صلى الله عليه و سلم مميزا بين صحيحها و سقيمها و متصلها و منقطعها و
مراسيلها و مسانيدها و مشاهيرها و احاديث الصحابة موقوفها و مسندها ثم يكون
ورعا دينا صائنا لنفسه صدوقا ثقة يبني مذهبه و دينه على كتاب الله و سنة رسوله
صلى الله عليه و سلم فاذا جمع هذه الخصال فحينئذ يجوز ان يكون اماما و جاز ان
يقلد و يجتهد في دينه و فتاويه و اذا لم يكن جامعا لهذه الخصال او اخل بواحدة منها
كان ناقصا و لم يجز ان يكون اماما و ان يقلده الناس قال (قلت) و اذا ثبت ان هذه
شرائط لصحة الاجتهاد و الامامة فقد كل من لم يكن كذلك ان يقتدى بمن هو بهذه
الخصال المذكورة (و قال) الناس في الدين على قسمين مقلد و مجتهد
و المجتهدون مختصون بالعلم و علم الدين يتعلق بالكتاب و السنة و اللسان العربي الذي وردا به فمن
كان فيما يعلم الكتاب و السنة و حكم الفاظهما و معرفة الثابت من احكامهما و
المنتقل من الثبوت بنسخ او غيره و المتقدم و المتأخر صح اجتهاده و ان يقلده من لم
يبلغ درجته و فرض من ليس بمجتهد ان يسأل و يقلد و هذا لا اختلاف فيه انتهى انظر
قوله و هذا لا خلاف فيه و قال ابن القيم [1] في اعلام الموقعين لا يجوز لاحد ان يأخذ
.............................. .........
الهامش
(1) ابن القيم الجوزية توفي سنة 751 هـ. [ 1350 م.]
.............................. ...............
من الكتاب و السنة ما لم يجتمع فيه شروط الاجتهاد و من جميع العلوم قال احمد بن
المنادي سأل رجل احمد بن حنبل[1]
..............................
هامش
1) أحمد ابن حنبل توفي سنة 241 هـ. [ 855 م.] في بغداد )
.............................. ..
اذا حفظ الرجل مائة الف حديث هل يكون فقيها
قال لا قال فمائتي الف حديث قال لا قال فثلاث مائة الف حديث قال لا قال
فاربع مائة قال نعم قال ابو الحسين فسألت جدي كم كان يحفظ احمد قال اجاب عن
ست مائة الف حديث قال ابو اسحاق لم اجلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه
المسئلة فقال لي رجل فانت تحفظ هذا المقدار حتى تفتي الناس قلت لا انما افتي بقول من
يحفظ هذا المقدار (انتهى) و لو ذهبنا نحكي من حكى الاجماع لطال و في هذا لكفاية
للمسترشد و انما ذكرت هذه المقدمة لتكون قاعدة يرجع اليها فيما نذكره فان اليوم
ابتلى الناس بمن ينتسب الى الكتاب و السنة و يستنبط من علومهما و لا يبالي من
خالفه و اذا طلبت منه ان يعرض كلامه على اهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس
الاخذ بقوله و بمفهومه و من خالفه فهو عنده كافر هذا و هو لم يكن فيه خصلة
واحدة من خصال اهل الاجتهاد و لا و الله عشر واحدة و مع هذا فراح كلامه على
كثير من الجهال فانا لله و انا اليه راجعون
(الامة) كلها تصيح بلسان واحد و مع هذا لا يرد لهم في كلمة
بل كلهم كفار او جهال (اللهم) اهد الضال ورده الى الحق فنقول
قال الله عزّ و جل (اِنَّ الدِّينَ عِنْدَ ا لله اْلاِسْلامُ ) آل عمران: 19
و قال تعالى (وَ مَنْ يَبْتَغِ َ غيْرَ اْلاِسْلامِ دِينًا َفَلنْ يُقْبَل مِنْهُ ) آل عمران: 85
و قال تعالى (َفاِنْ تَابُوا وَاَقامُوا الصَّلَوَة وَ آتَوُا الزَّكَوَة َفخَلُّوا سَبِيَلهُمْ ) التوبة: 4 و في الآية الاخرى
(فاِخْوَانُكمْ في الدِّينِ) قال ابن عباس حرمت هذه الآية دماء اهل القبلة و قال ايضا لا
تكونوا كالخوارج تؤوّلوا آيات القرآن في اهل القبلة و انما نزلت في اهل الكتاب و
المشركين فجهلوا علمها فسفكوا بها الدماء و انتهكوا الاموال و شهدوا على اهل السنة
بالضلالة فعليكم بالعلم بما نزل فيه القرآن انتهى .
و كان ابن عمر يرى الخوارج شرار الخلق قال انهم عمدوا في آيات نزلت في
الكفار فجعلوها في المسلمين رواه البخاري عنه فحينئذ ذكر الله عزّ و جل (ان الدين عند الله الاسلام)
و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث جبريل في
الصحيحين (الاسلام ان تشهد ان لا اله ا ّلا الله و ا ّن محمدا رسول الله) الحديث و
في حديث ابن عمر الذي في ال صحيحين (بني الاسلام على خمس شهادة ان لا اله الا
الله و ان محمدا عبده ورسوله ) الحديث و في حديث وفد عبد القيس (آمركم
بالايمان بالله وحده اتدرون ما الايمان بالله وحده شهادة ان لا اله الا الله و ان محمّدا
رسول الله) الحديث و هو في الصحيحين و غير ذلك من الاحاديث وصف الاسلام
بالشهادتين و ما معهما من الاركان و هذا اجماع من الامة بل اجمعوا ان من نطق
بالشهادتين اجريت عليه احكام الاسلام لحديث (امرت ان اقاتل الناس ) و لحديث
الجارية (اين الله ) قالت في السماء قال (من انا) قالت رسول الله قال (اعتقها فانها
مؤمنة) و كل ذلك في الصحيحين و لحديث (كفوا عن اهل لا اله الا الله ) و غير
ذلك قال ابن القيم اجمع المسلمون على ان الكافر اذا قال لا اله الا الله و ان محمّدا
رسول الله فقد دخل في الاسلام انتهى و كذلك اجمع المسلمون ان المرتد اذا كانت
ردته بالشرك فان توبته بالشهادتين و اما القتال ان كان ثم امام قاتل الناس حتى يقيموا
الصلاة و يؤتوا الزكاة و كل هذا مسطور مبين في كتب اهل العلم من طلبه وجده
فالحمد لله على تمام الاسلام.
{فصل} اذا فهمتم ما تقدم فانكم الآن تكفرون من شهد ان لا اله الا الله
وحده و ان محمدا عبده و رسوله و اقام الصلاة و آتى الزكاة و صام رمضان و حج
البيت مؤمنا بالله و ملائكته و كتبه و رسله ملتزما لجميع شعائر الاسلام و تجعلونهم
كفارا و بلادهم بلاد حرب فنحن نسئلكم من امامكم في ذلك و ممن اخذتم هذا
المذهب عنه فان قلتم كفرناهم لانهم مشركون بالله و الذي منهم ما اشرك بالله لم
يكفر من اشرك بالله لانه سبحانه قال (اِنَّ الله َ لا يَغْفِرُ َان يُشْرَكَ بِه ) النساء: 48 و
ما في معناها من الآيات و ان اهل العلم قد عدوا في المكفرات من اشرك بالله {قلنا}
حق الآيات حق و كلام اهل العلم حق و لكن اهل العلم قالوا في تفسير اشرك بالله اي
ادعى ان لله شريكا كقول المشركين هؤلاء شركاؤنا و قوله تعالى (وَ مَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ َانهمْ فِيكمْ شُرَكاؤُا ) الانعام: 94 و (إِذا قِيل َلهُمْ َ لا إَِلهَ إِلاَّ
الله يَسْتَكبِرُو َن ) الصافات: 35 اجعلوا الآلهة الهاً واحدا الى غير ذلك مما ذكره الله
في كتابه و رسوله و اهل العلم و لكن هذه التفاصيل التي تفصلون من عندكم ان من
فعل كذا فهو مشرك و تخرجونه من الاسلام من اين لكم هذا التفصيل استنبطتم ذلك
بمفاهيمكم فقد تقدم لكم من اجماع الامة انه لا يجوز لمثلكم الاستنباط لكم في ذلك
قدوة من اجماع او تقليد من يجوز تقليده مع انه لا يجوز للمقلد ان يكفر ان لم تجمع
الامة على قول متبوعه فبينوا لنا من اين اخذتم مذهبكم هذا و لكم علينا عهد الله و
ميثاقه ان بينتم لنا حقا يجب المصير اليه لنتبع الحق ان شاء الله فان كان المراد مفاهيمكم
فقد تقدم انه لا يجوز لنا و لا لكم و لا لمن يؤمن بالله و اليوم الآخر الاخذ بها و لا
نكفر من معه الاسلام الذي اجمعت الامة على من اتى به فهو مسلم فاما الشرك ففيه
اكبر و اصغر و فيه كبير و اكبر و فيه ما يخرج من الاسلام و فيه ما لا يخرج من
الاسلام و هذا كله باجماع و تفاصيل ما يخرج مما لا يخرج يحتاج الى تبين ائمة اهل
الاسلام الذي اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد فان اجمعوا على امر لم يسع احد الخروج
عنه و ان اختلفوا فالامر واسع فان كان عندكم عن اهل العلم بيان واضح فبينوا لنا و
سمعا و طاعة و الا فالواجب علينا و عليكم الاخذ بالاصل المجمع عليه و اتباع سبيل
المؤمنين وانتم تحتجون ايضا بقوله عزّ وجل (َلئِنْ َاشْرَكْتَ َليَحْبَطنَّ عَمَلُكَ ) الزمر: 66
و بقوله عزّ و جل في حق الانبياء (وَ َلوْ َاشْرَكُوا َلحَبِط عَنْهُمْ مَا َكانُوا يَعْلَمُون )
الانعام: 88 و بقوله تعالى (وَ َلا يَاْمُرَكُمْ َان تَتَّخِذُوا الْمََلئِكَة وَالنَّبِيِّنَ َارْبَابًا ) آل
عمران: 80 فنقول نعم كل هذا حق يجب الايمان به و لكن من اين لكم ان المسلم
الذي يشهد ان لا اله ا ّلا الله و ان محمّدا عبده ورسوله اذا دعى غائبا او ميتا او نذر له
او ذبح لغير الله او تمسح بقبر او اخذ من ترابه ان هذا هو الشرك الاكبر الذي من فعله
حبط عمله و حل ماله و دمه و انه الذي اراد الله سبحانه من هذه الآية و غيرها في
القرآن فان قلتم فهمنا ذلك من الكتاب و السنة قلنا لا عبرة بمفهومكم و لا يجوز لكم
و لا لمسلم الاخذ بمفهومكم فان الامة مجمعة كما تقدم ان الاستنباط مرتبة اهل
الاجتهاد المطلق و مع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على احد
الاخذ بقوله دون نظر قال الشيخ تقي الدين من اوجب تقليد الامام بعينه دون نظر انه
يستتاب فان تاب و الا قتل انتهى.
{و ان قلتم} اخذنا ذلك من كلام بعض اهل العلم كابن تيمية و ابن القيم
لانهم سموا ذلك شركا {قلنا} هذا حق و نوافقكم على تقليد الشيخين ان هذا شرك و
لكن هم لم يقولوا كما قلتم ان هذا شرك اكبر يخرج من الاسلام و تجري على كل بلد
هذا فيها احكام اهل الردة بل من لم يكفرهم عندكم فهو كافر تجري عليه احكام اهل
الردة و لكنهم رحمهم الله ذكروا ان هذا شرك و شددوا فيه و نهوا عنه و لكن ما قالوا
كما قلتم و لا عشر معشاره و لكنكم اخذتم من قولهم ما جاز لكم دون غيره بل في
كلامهم رحمهم الله ما يدل على ان هذه الافاعيل شرك اصغر و على تقدير ان في بعض
افراده ما هو شرك اكبر على حسب حال قائله و نيته فهم ذكروا في بعض مواضع من
كلامهم ان هذا لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الذي يكفر تاركها كما يأتي في
كلامهم ان شاء الله مفصلا و لكن المطلوب منكم هو الرجوع الى كلام اهل العلم و
الوقوف عند الحدود التي حدوا فان اهل العلم ذكروا في كل مذهب من مذاهب
الاقوال و الافعال التي يكون بها المسلم مرتدا و لم يقولوا من نذر لغير الله فهو مرتد و
لم يقولوا من طلب من غير الله فهو مرتد و لم يقولوا من ذبح لغير الله فهو مرتد و لم
يقولوا من تمسح بالقبور و اخذ من ترابها فهو مرتد كما قلتم انتم فان كان عندكم
شيء فبينوه فانه لا يجوز كتم العلم و لكنكم اخذتم هذا بمفاهيمكم و فارقتم الاجماع و
كفرتم امة محمد صلى الله عليه و سلم كلهم حيث قلتم من فعل هذه الافاعيل فهو
كافر و من لم يكفره فهو كافر و معلوم عند الخاص و العام ان هذه الامور ملأت بلاد
المسلمين و عند اهل العلم منهم انها ملأت بلاد المسلمين من اكثر من سبع مائة عام و
ان من لم يفعل هذه الافاعيل من اهل العلم لم يكفروا اهل هذه الافاعيل و لم يجروا
عليهم احكام المرتدين بل اجروا عليهم احكام المسلمين بخلاف قولكم حيث اجريتم
الكفر و الردة على امصار المسلمين و غيرها من بلاد المسلمين و جعلتم بلادهم بلاد
حرب حتى الحرمين الشريفين اللذين اخبر النبي صلى الله عليه و سلم في الاحاديث
الصحيحة الصريحة انهما لا يزالا بلاد اسلام و انهما لا تعبد فيهما الاصنام و حتى ان
الدجال في آخر الزمان يطأ البلاد كلها الا الحرمين كما تقف على ذلك ان شاء الله في
هذه الرسالة فكل هذه البلاد عندكم بلاد حرب كفار اهلها لانهم عبدوا الاصنام على
قولكم و كلهم عندكم مشركون شركا مخرجا عن الملة فانا لله و انا اليه راجعون فو
الله ان هذا عين المحادة لله و لرسوله و لعلماء المسلمين قاطبة فاعظم من رأينا مشددا في
هذه الامور التي تكفرون بها الامة النذور و ما معها ابن تيمية و ابن القيم و هما رحمهما
الله قد صرحا في كلامهما تصريحا واضحا ان هذا ليس من الشرك الذي ينقل عن الملة
بل قد صرحوا في كلامهم ان من الشرك ما هو اكبر من هذا بكثير كثير و ان من هذه
الامة من فعله و عاند فيه و مع هذا لم يكفروه كما يأتي كلامهم في ذلك ان شاء الله
تعالى.
فاما النذر فنذكر كلام الشيخ تقي الدين فيه و ابن القيم و هما من اعظم من
شدد فيه و سماه شركا فنقول قال الشيخ تقي الدين النذر للقبور و لاهل القبور كالنذر
لابراهيم الخليل عليه السلام او الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به و ان تصدق
بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء او الصالحين كان خيرا له عند الله و انفع
(انتهى) فلو كان الناذر كافرا عنده لم يأمره بالصدقة لان الصدقة لا تقبل من الكافر بل
يأمره بتجديد اسلامه و يقول له خرجت من الاسلام بالنذر لغير الله قال الشيخ ايضا
من نذر اسراج بئر او مقبرة او جبل او شجرة او نذر له او لسكانه لم يجز و لا يجوز
الوفاء به و يصرف في المصالح ما لم يعرف ربه (انتهى ) فلو كان الناذر كافرا لم يأمره
برد نذره اليه بل امر بقتله و قال الشيخ ايضا من نذر قنديل نقد للنبي صلى الله عليه و
سلم صرف لجيران النبي صلى الله عليه و سلم (انتهى) فانظر كلامه هذا و تأمله هل
كفر فاعل هذا او كفر من لم يكفره او عد هذا في المكفرات هو او غيره من اهل العلم
كما قلتم انتم و خرقتم الاجماع و قد ذكر ابن مفلح في الفروع عن شيخه الشيخ تقي
الدين ابن تيمية و النذر لغير الله كنذره لشيخ معين للاستغاثة و قضاء الحاجة منه
كحلفه بغيره و قال غيره هو نذر معصية (انتهى) فانظر الى هذا الشرط المذكور اي
نذر له لاجل الاستغاثة به بل جعله الشيخ كالحلف بغير الله و غيره من اهل العلم جعله
نذر معصية هل قالوا مثل ما قلتم من فعل هذا فهو كافر و من لم يكفره فهو كافر
عياذا بك الّلهمّ من قول الزور كذلك ابن القيم ذكر النذر لغير الله في فصل الشرك
الاصغر من المدارج و استدل به بالحديث الذي رواه احمد عن النبي صلى الله عليه و
سلم (النذر حلفة ) و ذكر غيره من جميع من تسمونه شركا و تكفرون به فعل الشرك
الاصغر.
و اما الذبح لغير الله فقد ذكره في المحرمات و لم يذكره في المكفرات الا ان
ذبح للاصنام او لما عبد من دون الله كالشمس و الكواكب و عدّه الشيخ تقي الدين
في المحرمات الملعون صاحبها كمن غير منار الارض او من ضار مسلما كما يأتي في
كلامه ان شاء الله تعالى و كذلك اهل العلم ذكروا ذلك مما اهل به لغير الله و نهوا عن
اهله و لم يكفروا صاحبه و قال الشيخ تقي الدين كما يفعله الجاهلون بمكة شرفها الله
تعالى و غيرها من بلاد المسلمين من الذبح للجن و لذلك نهى النبي صلى الله عليه و
سلم عن ذبايح الجن (انتهى) و لم يقل الشيخ من فعل هذا فهو كافر بل من لم يكفره
فهو كافر كما قلتم انتم و اما {السؤال} من غير الله فقد فصله الشيخ تقي الدين رحمه
الله ان كان السائل يسأل من المسئول مثل غفران الذنوب و ادخال الجنة و النجاة من
النار و انزال المطر و انبات الشجر و امثال ذلك مما هو من خصائص الربوبية فهذا
شرك و ضلال يستتاب صاحبه فان تاب و الا قتل و لكن الشخص المعين الذي فعل
ذلك لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الذي يكفر تاركها كما يأتي بيان كلامه في ذلك
ان شاء الله تعالى.
{فان قلت} ذكر عنه في الاقناع انه قال من جعل بينه و بين الله وسائط
يدعوهم و يسألهم و يتوكل عليهم كفر اجماعا {قلت} هذا حق و لكن البلاء من عدم
فهم كلام اهل العلم لو تأملتم العبارة تأملا تاما لعرفتم انكم تأولتم العبارة على غير
تأويلها و لكن هذا من العجب تتركون كلامه الواضح و تذهبون الى عبارة مجملة
تستنبطون منها ضد كلام اهل العلم و تزعمون ان كلامكم و مفهومكم اجماع هل
سبقكم الى مفهومكم من هذه العبارة احد يا سبحان الله ما تخشون الله {و لكن}
انظر الى لفظ العبارة و هو قوله يدعوهم و يتوكل عليهم و يسألهم كيف جاء بواو
العطف و قرن بين الدعاء و التوكل و السؤال فان الدعاء في لغة العرب هو العبادة
المطلقة و التوكل عمل القلب و السؤال هو الطلب الذي تسمونه الآن الدعاء و هو في
هذه العبارة لم يقل او سألهم بل جمع بين الدعاء و التوكل و السؤال و الآن انتم
تكفرون بالسؤال وحده فاين انتم و مفهومكم من هذه العبارة مع انه رحمه الله بين
هذه العبارة و اصلها في مواضع من كلامه و كذلك {ابن القيم } بين اصلها قال الشيخ
من الصابئة المشركين ممن يظهر الاسلام و يعظم الكواكب و يزعم انه يخاطبها بحوائجه
و يسجد لها و ينحر و يدعو و قد صنف بعض المنتسبين الى الاسلام في مذهب
المشركين من الصابئة و المشركين البراهمة كتابا في عبادة الكواكب و هي من السحر
الذي عليه الكنعانيون الذي ملوكهم النماردة الذي بعث الله الخليل صلوات الله و
سلامه عليه بالحنيفية ملة ابراهيم و اخلاص الدين لله الى هؤلاء و قال ابن القيم في مثل
هؤلاء يقرون للعالم صانعا فاضلا حكيما مقدسا عن العيوب و النقائص و لكن لا
سبيل لنا الى الوجهة الى جلاله الا بالوسائط فالواجب علينا ان نتقرب اليه بتوسطات
الروحانيات القريبة منه فنحن نتقرب اليهم و نتقرب بهم اليه فهم اربابنا و الهتنا و
شفعاؤنا عند رب الارباب و اله الآلهة فما نعبدهم ا ّ لا ليقربونا الى الله زلفى فحينئذ
نسأل حاجاتنا منهم و نعرض احوالنا عليهم و نصبوا في جميع امورنا اليهم فيشفعون
الى الهنا و الههم و ذلك لا يحصل الا من جهة الاستمداد بالروحانيات و ذلك بالتضرع
و الابتهال من الصلوات و الزكاة و الذبائح القرابين و البخورات و هؤلاء كفروا
بالاصلين الذين جاءت بهما جميع الرسل احدهما عبادة الله وحده لا شريك له و الكفر
بما يعبد من دونه من اله {و الثاني } الايمان برسله و بما جاؤا به من عند الله تصديقا و
اقرارا و انقيادا (انتهى) كلام ابن القيم فانظر الى الوسائط المذكورة في العبارة كيف
تحملونها على غير محملها و لكن ليس هذا باعجب من حملكم كلام الله و كلام رسوله
و كلام ائمة الاسلام على غير المحمل الصحيح مع خرقكم الاجماع و اعجب من هذا
انكم تستدلون بهذه العبارة على خلاف كلام من ذكرها و من نقلها ترون بها صريح
كلامهم في عين المسئلة و هل عملكم هذا الا اتباع المتشابه و ترك المحكم انقذنا الله و
اياكم من متابعة الاهواء .
و اما التبرك و التمسح بالقبور و اخذ التراب منها و الطواف بها فقد ذكره
اهل العلم فبعضهم عده في المكروهات و بعضهم عده في المحرمات و لم ينطق واحد
منهم بان فاعل ذلك مرتد كما قلتم انتم بل تكفرون من لم يكفر فاعل ذلك فالمسئلة
مذكورة في كتاب الجنائز في فصل الدفن و زيارة الميت فان اردت الوقوف على ما
ذكرت لك فطالع الفروع و الاقناع و غيرهما من كتب الفقه (فان ) قدحتم فيمن
صنف هذه الكتب فليس ذلك منكم بكثير و لكن ليكن معلوما عندكم ان هؤلاء لم
يحكوا مذهب نفسهم و انما حكوا مذهب احمد بن حنبل و احزابه من ائمة اهل الهدى
الذين اجمعت الامة على هدايتهم و درايتهم فان ابيتم الا العناد و ادعوتم المراتب العلية
و الاخذ من الادلة من غير تقليد ائمة الهدى فقد تقدم ان هذا خرق للاجماع .
{فصل} و على تقدير هذه الامور التي تزعمون انها كفر اعني النذر و ما معه
(فهنا) اصل آخر من اصول اهل السنة مجمعون عليه كما ذكره الشيخ تقي الدين و ابن
القيم عنهم و هو ان الجاهل و المخطئ من هذه الامة و لو عمل من الكفر و الشرك ما
يكون صاحبه مشركا او كافرا انه يعذر بالجهل و الخطإ حتى تتبين له الحجة الذي
يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس على مثله او ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين
الاسلام مما اجمعوا عليه اجماعا جليا قطعيا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر و تأمل
كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى و لم يخالف في ذلك الا اهل البدع .
فان قلت قال الله عزّ و جل (مَنْ َ كَفرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ اِيمَانِهِ اِلاَّ مَنْ اُكْرِهَ و
قَبُلهُ مُطْمَئِنّ بِاْلاِيمَانِ ) النحل: 106 نزلت في المسلمين تكلموا بالكفر مكرهين عليه
قلت هذا حق و هي حجة عليكم لا لكم فان الذين تكلموا به هو سب رسول الله
صلى الله عليه و سلم و التبري من دينه و هذا كفر اجماعا يعرفه كل مسلم و مع هذا
ان الله عزّ و جل عذر من تكلم بهذا الكفر مكرها و لم يؤاخذه و لكن الله سبحانه و
تعالى كفر من شرح بهذا الكفر صدرا و هو من عرفه ورضيه و اختاره على الايمان
غير جاهل به و هذا الكفر في الآية مما اجمع عليه المسلمون و نقلوه في كتبهم و كل من
عد المكفرات ذكره و اما هذه الامور التي تكفرون بها المسلمين فلم يسبقكم الى التكفير
بها احد من اهل العلم و لا عدوها في المكفرات بل ذكرها من ذكرها منهم في انواع
الشرك و بعضهم ذكرها في المحرمات و لم يقل احد منهم ان من فعله فهو كافر مرتد و
لا احتج عليه بهذه الآية كما احتججتم و لكن ليس هذا باعجب من استدلالكم بآيات
نزلت في الذين (إِذا قِيل َلهُمْ َ لا إَِلهَ إِلاَّ الله يَسْتَكبِرُون * وَ يَقُوُلون َأئِنَّا َلتَارِكوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)
الصافات: 35 , 36) و الذين يقال لهم (َائِنَّكُمْ َلتَشْهَدُو َن َانَّ مَعَ اللهِ آلِهًَة ُاخْرَى ) الانعام: 19
و الذين يقولون (اللَّهُمَّ اِن كَان هَذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ َفَامْطِرْ عََليْنَا حِجَارًَة مِنَ السَّمَآءِ ) الانفال: 32
و الذين يقولون (َاجَعَل اْلآلِهََة اَِلهًا وَاحِدًا ) ص: 5 و مع هذا تستدلون بهذه الآيات و تروونها على الذين يشهدون ان لا
اله الا الله و ان محمدا رسول الله و يقولون ما لله من شريك و يقولون ما احد يستحق
ان يعبد مع الله فالذي يستدل بهذه الآيات على من شهد له رسول الله صلى الله عليه و
سلم و اجمع المسلمون على اسلامه ما هو بعجيب لو استدل بالآية على مذهبه فان
كنتم صادقين فاذكروا لنا من استدل بهذه الآية على كفر من كفرتموه بخصوص الافعال
و الاقوال التي تقولون انها كفر و لكن و الله ما لكم مثل الا عبد الملك بن مروان لما
قال لابنه ادع الناس الى طاعتك فمن قال عنك برأسه فقل بالسيف على رأسه هكذا
يعني اقطعه فانا لله و انا اليه راجعون.
{فصل} و ههنا اصل آخر و هو ان المسلم قد تجتمع فيه المادتان الكفر و
الاسلام و الكفر و النفاق و الشرك و الايمان و انها تجتمع فيه المادتان و لا يكفر كفرا
ينقل عن الملة كما هو مذهب اهل السنة و الجماعة كما يأتي تفصيله و بيانه ان شاء
الله و لم يخالف في ذلك الا اهل البدع.
{فصل} اعلم ان اول فرقة فارقت الجماعة الخوارج الذين خرجوا في زمن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه و قد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و امر
بقتلهم و قتالهم و قال يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم
فاقتلوهم و قال فيهم انهم كلاب اهل النار و قال انهم يقتلون اهل الاسلام و قال شر
قتلى تحت اديم السماء و قال يقرؤن القرآن يحسبونه لهم و هو عليهم الى غير ذلك مما
صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم و هؤلاء خرجوا في زمن علي ابن ابي
طالب رضي الله عنه و كفروا عليا و عثمان و معاوية و من معهم و استحلوا دماء
المسلمين و اموالهم و جعلوا بلاد المسلمين بلاد حرب و بلادهم هي بلاد الايمان و
يزعمون انهم اهل القرآن و لا يقبلون من السنة الا ما وافق مذهبهم و من خالفهم و
خرج عن ديارهم فهو كافر و يزعمون ان عليا و الصحابة رضي الله عنهم اشركوا بالله
و لم يعلموا بما في القرآن بل هم على زعمهم الذين عملوا به و يستدلون لمذهبهم
بمتشابه القرآن و يتأولون الآيات التي نزلت في المشركين المكذبين في اهل الاسلام هذا و
اكابر الصحابة عندهم و يدعونهم الى الحق و الى المناظرة و ناظرهم ابن عباس رضي الله
عنهما و رجع منهم الى الحق اربعة آلاف و مع هذه الامور الهائلة و الكفر الصريح
الواضح و خروجهم عن المسلمين قال لهم علي رضي الله عنه لا نبدؤكم بقتال و لا
نمنعكم عن مساجد الله ان تذكروا فيها اسمه و لا نمنعكم من الفيئ ما دامت ايديكم
معنا {ثم ان الخوارج } اعتزلوا و بدؤا المسلمين الامام و من معه بالقتال فسار عليهم
علي رضي الله عنه و جرى على المسلمين منهم امور هائلة يطول وصفها و مع هذا
كله لم يكفروهم الصحابة و لا التابعون و لا ائمة الاسلام و لا قال لهم علي و لا غيره
من الصحابة قامت عليكم الحجة و بينا لكم الحق قال الشيخ تقي الدين لم يكفرهم
علي و لا احد من الصحابة و لا احد من ائمة اهل الاسلام (انتهى) فانظر رحمك الله
الى طريقة اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في الاحجام عن تكفير من يدعي
الاسلام هذا و هم الصحابة رضي الله عنهم الذين يروون الاحاديث عن رسول الله
صلى الله عليه و سلم فيهم (قال) الامام احمد صحت الاحاديث عن رسول الله صلى
الله عليه و سلم من عشرة اوجه (قال) اهل العلم كلها خرجها مسلم في صحيحه
فانظر الى هدى اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و ائمة المسلمين لعل الله
يهديك الى اتباع سبيل المؤمنين و ينبهك من هذه البلية التي تزعمون الآن انها السنة و
هي و الله طريقة القوم لا طريقة علي و من معه رزقنا الله اتباع آثارهم .
{فان قلت} على نفسه قتل الغالية بل حرقهم بالنار و هم مجتهدون و
الصحابة قاتلوا اهل الردة {قلت} هذا كله حق فاما الغالية فهم مشركون زنادقة
اظهروا الاسلام تلبيسا حتى اظهروا الكفر ظهورا جليا لا لبس فيه على احد (و ذلك )
ان عليا رضي الله عنه لما خرج عليهم من باب كندة سجدوا له فقال لهم ما هذا قالوا
له انت الله فقال لهم انا عبد من عباد الله قالوا بل انت هو الله فاستتابهم و عرضهم على
السيف و ابوا ان يتوبوا فامر بخد الاخاديد في الارض و اضرم فيها النار و عرضهم
عليها و قال لهم ان لم تتوبوا قذفتكم فيها فابوا ان يتوبوا بل يقولون له انت الله فقذفهم
بالنار فلما احسوا بالنار تحرقهم قالوا الآن تحققنا انك انت الله لان ما يعذب بالنار الا
الله فهذه قصة الزنادقة الذين حرقهم علي رض الله عنه ذكرها العلماء في كتبهم فان
رأيتم من يقول لمخلوق هذا هو الله فحرقوه و الا فاتقوا الله و لا تلبسوا الحق بالباطل و
تقيسوا الكافرين على المسلمين بارائكم الفاسدة و مفاهيمكم الواهية.
{فصل} و اما قتال الصديق و الصحابة رضي الله عنهم اهل الردة فاعلم انه
لما توفى رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يبق على الاسلام الا اهل المدينة و اهل
مكة و الطائف و جواثا قرية من قرى البحرين و اخبار الردة طويلة تحتمل مجلدا و لكن
نذكر بعضا من ذلك من كلام اهل العلم ليتبين لكم ما انتم عليه و ان استدلالكم
بقصة اهل الردة كاستدلالكم الاول (قال) الامام ابو سليمان الخطابي رحمه الله مما يجب
ان يعلم ان اهل الردة كانوا اصنافاً صنف ارتدوا عن الاسلام و نبذوا الملة و عادوا الى
الكفر الذي كانوا عليه من عبادة الاوثان و صنف ارتدوا عن الاسلام و تابعوا مسليمة
و هم بنوا حنيفة و قبائل غيرهم صدقوا مسيلمة و وافقوه على دعواه النبوة و صنف
ارتدوا ووافقوا الاسود العنبسي و ما ادعاه من النبوة باليمن و صنف صدقوا طليحة
الاسدي و ما ادعاه من النبوة و هم غطفان و فزارة و من والاهم و صنف صدقوا
سجاح فهؤلاء كلهم مرتدون منكرون لنبوة نبينا صلى الله عليه و سلم تاركون للزكاة
و الصلاة و سائر شرائع الاسلام و لم يبق من يسجد لله في بسيط الارض الا مسجد
المدينة و مكة و جواثا قرية في البحرين و صنف آخر و هم الذين فرقوا بين الصلاة و
الزكاة و وجوب ادائها الى الامام و هؤلاء على الحقيقة اهل بغي و انما لم يدعوا بهذا
الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار اهل الردة فاضيف الاسم الى الردة اذ
كانت اعظم الامرين و أهمهما و ارخ قتال اهل البغي من زمن علي بن ابي طالب
رضي الله عنه اذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا باهل الشرك و في امر هؤلاء
عرضوا الخلاف و وقعت الشبهة لعمر رضي الله تعالى عنه حين راجع ابابكر و ناظره و
احتج بقوله صلى الله عليه و سلم (أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله
فمن قال لا اله الا الله عصم ماله و نفسه ) الى ان قال رحمه الله و قد بينا ان اهل الردة
كانوا اصنافا منهم من ارتد عن الملة و دعى الى نبوة مسيلمة و غيره و منهم من انكر
الشرائع كلها و هؤلاء هم الذين سماهم الصحابة رضي الله عنهم كفارا و كذلك رأى
ابوبكر سبي ذراريهم و ساعده على ذلك اكثر الصحابة ثم لم ينقض عصر الصحابة
حتى اجمعوا ان المرتد لا يسبى فاما مانع الزكاة منهم المقيمون على اصل الدين فانهم اهل
بغي و لم يسموا اهل شرك او فهم كفار و ان كانت الردة اضيفت اليهم لمشاركتهم
للمرتدين في بعض ما منعوه من حق الدين و ذلك ان الردة اسم لغوي و كل من
انصرف عن امر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه و قد وجد من هؤلاء القوم الانصراف
عن الطاعة و منع الحق و انقطع عنهم اسم الثناء و المدح و علق عليهم الاسم القبيح
لمشاركتهم القوم الذين كانوا ارتدوا حقا الى ان قال.
{فان قيل} و هل اذا انكر طائفة في زماننا فرض الزكاة و امتنعوا من ادائها
يكون حكمهم حكم اهل البغي {قلنا} لا فان من انكر فرض الزكاة في هذه الأزمان
كان كافرا باجماع المسلمين على وجوب الزكاة فقد عرفها الخاص و العام و اشترك
فيها العالم و الجاهل فلا يعذر منكره و كذلك الامر في كل من انكر شيئا مما اجتمعت
عليه الامة من امور الدين اذا كان علمه منتشرا كالصلاة الخمس و صوم شهر رمضان
و الاغتسال من الجنابة و تحريم الربا و الخمر و نكاح المحارم و نحوها من الاحكام الا
ان يكون رجلا حديث عهد بالاسلام و لا يعرف حدوده فانه ان انكر شيئا منها
جاهلا به لم يكفر و كان سبيله سبيل اولئك القوم في بقاء الاسم عليه (فاما) ما كان
الاجماع معلوما فيه من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها و خالتها و
ان القاتل عمدا لا يرث و ان للجد السدس و ما اشبه ذلك من الاحكام فان من
انكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة (انتهى) كلام الخطابي و
قال صاحب المفهم قال ابو اسحاق لما قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم ارتدت
العرب الا اهل ثلاثة مساجد مسجد المدينة و مسجد مكة و مسجد جواثا (انتهى)
فهذا شيئ مما ذكره بعض اهل العلم في اخبار الردة و تفاصيلها يطول و لكن قد تقدم
ان مثلكم او من هو اجل منكم لا يجوز له الاستنباط و لا القياس و لا يجوز لاحد ان
يقلده بل يجب على من لم يبلغ رتبة المجتهدين ان يقلدهم و ذلك بالاجماع و لكن ليكن
عندكم معلوما ان من خرج عن طاعة ابي بكر الصديق في زمانه فقد خرج عن الاجماع
القطعي لانه و من معه هم اهل العلم و اهل الاسلام و هم المهاجرون و الانصار الذين
اثنى الله عليهم في كتابه و امامة ابي بكر امامة حق جميع شروط الامة مجتمعة فيه فان
كان اليوم فيكم مثل ابي بكر و المهاجرين و الانصار و الامة مجتمعة على امامة واحد
منكم فقيسوا انفسكم بهم و الا فبالله عليكم استحوا من الله و من خلقه و اعرفوا قدر
انفسكم فرحم الله من عرف قدر نفسه و انزلها منرلتها و كف شره عن المسلمين و
اتبع سبيل المؤمنين قال الله تعالى (وَ مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ َلهُ اْلهُدَى
و يَتَّبِعْ غيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى و نُصْلِهِ جَهَنَّمَ و سآءَتْ مَصِيرًا ) النساء : 115
{فصل} لما تقدم الكلام على الخوارج و ذكر مذهب الصحابة و اهل السنة
فيهم و انهم لم يكفروهم كفرا يخرج من الاسلام مع ما فيهم بانهم كلاب اهل النار و
انهم يمرقون من الاسلام و مع هذا كله لم يكفرهم الصحابة لانهم منتسبون الى الاسلام
الظاهر و ان كانوا مخلين بكثير منه لنوع تأويل و انتم اليوم تكفرون من ليس فيه خصلة
واحدة مما في اولئك بل الذين تكفرونهم اليوم و تستحلون دماءهم و اموالهم عقائدهم
عقائد اهل السنة و الجماعة الفرقة الناجية جعلنا الله منهم (ثم خرجت) بدعة القدرية و
ذلك في آخر زمن الصحابة و ذلك ان القدرية فرقتان فرقة انكرت القدر رأسا و قالوا
ان الله لم يقدر المعاصي على اهلها و لا هو يقدر ذلك و لا يهدي الضال و لا هو يقدر
على ذلك و المسلم عندهم هو الذي جعل نفسه مسلما و هو الذي جعل نفسه مصليا
و كذلك سائر الطاعات و المعاصي بل العبد هو الذي خلقها بنفسه و جعلوا العبد
خالقا مع الله و الله سبحانه عندهم لا يقدر يهدي احدا و لا يقدر يضل احدا الى غير
ذلك من اقوالهم الكفرية تعالى الله عما يقول اشباه المجوس علوا كبيراً.
الفرقة الثانية من القدرية من قابل هؤلاء و زعم ان الله جبر الخلق على ما
عملوا و ان الكفر و المعاصي في الخلق كالبياض و السواد في خلق الآدمي ما للمخلوق
في ذلك صنع بل جميع المعاصي عندهم تضاف لله و امامهم في ذلك ابليس حيث قال
فبما اغويتني و كذلك المشركون الذين قالوا لو شاء الله ما اشركنا و لا آباؤنا الى غير
ذلك من قبائحهم و كفرياتهم التي ذكرها عنهم اهل العلم في كتبهم كالشيخ تقي
الدين و ابن القيم و مع هذا الكفر العظيم و الضلالة خرج اوائل هؤلاء في زمن
الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر و ابن عباس و اجلاء التابعين و قاموا في وجوه
هؤلاء و بينوا لهم ضلالهم من الكتاب و السنة و تبرأ منهم من عندهم من الصحابة
رضي الله عنهم و كذلك التابعون و صاحوا بهم من كل فج و مع هذا الكفر العظيم
الهائل لم يكفرهم الصحابة و لا من بعدهم من ائمة اهل الاسلام و لا اوجبوا قتلهم و
لا اجروا عليهم احكام اهل الردة و لا قالوا قد كفرتم حيث خالفتمونا لأنا لا نتكلم
الا بالحق و قد قامت عليكم الحجة ببياننا لكم كما قلتم انتم هذا (و من الراد عليهم)
و المبين ضلالهم الصحابة و التابعون الذين لا يقولون الا حقا بل كبير هؤلاء من ائمة
دعاتهم قتلوه الامراء (و ذكر اهل العلم) انه قتل حدا كدفع الصائل خوفا من ضرره و
بعد قتله غسل و صلى عليه و دفن في مقابر المسلمين كما يأتي ان شاء الله ذكره في
كلام الشيخ تقي الدين.
{فصل} الفرقة الثالثة من اهل البدع المعتزلة الذين خرجوا في زمن التابعين
و اتوا من الاقوال و الافعال الكفريات ما هو مشهور (منها) القول بخلق القرآن (و
منها) انكار شفاعة النبي صلى الله عليه و سلم لاهل المعاصي (و منها) القول بخلود اهل
المعاصي في النار الى غير ذلك من قبائحهم و فضائحهم التي نقلها اهل العلم عنهم و
مع هذا فقد خرجوا في زمن التابعين و دعوا الى مذهبهم و قام في وجوههم العلماء من
التابعين و من بعدهم وردوا عليهم و بينوا باطلهم من الكتاب و السنة و اجماع علماء
الامة و ناظروهم اتم المناظرة و مع هذا اصروا على باطلهم و دعوا اليه و فارقوا
الجماعة فبدعهم العلماء و صاحوا بهم و لكن ما كفروهم و لا اجروا عليهم احكام
اهل الردة بل اجروا عليهم هم و اهل البدع قبلهم احكام الاسلام من التوارث و
التناكح و الصلاة عليهم و دفنهم في مقابر المسلمين (و لم يقولوا ) لهم اهل العلم من
اهل السنة قامت عليكم الحجة حيث بينا لكم لأنا لا نقول الا حقا فحيث خالفتمونا
كفرتم و حل مالكم و دمائكم و صارت بلادكم بلاد حرب كما هو الآن مذهبكم
افلا يكون لكم في هؤلاء الأئمة عبرة فترتدعون عن الباطل و تفيئون الى الحق .
{فصل} ثم خرج بعد هؤلاء المرجئة الذين يقولون الايمان قول بلا عمل فمن
اقر عندهم بالشهادتين فهو مؤمن كامل الايمان و ان لم يصل لله ركعة طول عمره و لا
صام يوما من رمضان و لا ادى زكاة ماله و لا عمل شيئا من اعمال الخير بل من اقر
بالشهادتين فهو عندهم مؤمن كامل الايمان ايمانه كايمان جبريل و ميكائيل و الانبياء الى
غير ذلك من اقوالهم القبيحة التي ابتدعوها في الاسلام و مع انه صاح بهم ائمة اهل
الاسلام و بدعوهم و ضللوهم و بينوا لهم الحق من الكتاب و السنة و اجماع اهل العلم
من اهل السنة من الصحابة فمن بعدهم و ابوا الا التمادي على ضلالهم و معاندتهم
لاهل السنة متمسكين هم و من قبلهم من اهل البدع بمتشابه من الكتاب و السنة و مع
هذه الامور الهائلة فيهم لم يكفروهم اهل السنة و لا سلكوا مسلككم فيمن خالفكم و
لا شهدوا عليهم بالكفر و لا جعلوا بلادهم بلاد حرب بل جعلوا الاخوة الايمانية ثابتة
لهم و لمن قبلهم من اهل البدع و لا قالوا لهم كفرتم بالله و رسوله لأنا بينا لكم الحق
فيجب عليكم اتباعنا لأنا بمنرلة الرسول من خطأنا فهو عدو الله و رسوله كما هو
قولكم اليوم فانا لله و انا اليه راجعون.
{فصل} ثم حدث بعد هؤلاء الجهمية الفرعونية الذين يقولون ليس على
العرش اله يعبد و لا لله في الارض من كلام و لا عرج بمحمد صلى الله عليه و سلم
لربه و ينكرون صفات الله سبحانه التي اثبتها لنفسه في كتابه و اثبتها رسوله صلى الله
عليه و سلم و اجمع على القول بها الصحابة فمن بعدهم و ينكرون رؤية الله سبحانه في
الآخرة و من وصف الله سبحانه بما وصف به نفسه و وصف به رسوله صلى الله عليه
و سلم فهو عندهم كافر الى غير ذلك من اقوالهم و افعالهم التي هي غاية الكفر حتى ان
اهل العلم سموهم الفرعونية تشبيها لهم بفرعون حيث انكر الله سبحانه و مع هذا فرد
عليهم الائمة و بينوا بدعتهم و ضلالهم و بدعوهم و فسقوهم و جعلوهم اكفر ممن
قبلهم من اهل البدع و اقل تشبثا بالشريعات و قالوا عنهم انهم قدموا عقولهم على
الشرعيات و امر اهل العلم بقتل بعض دعاتهم كالجعد بن درهم و جهم بن صفوان و
بعد ان قتلوا غسلوهم و صلوا عليهم و دفنوهم مع المسلمين كما ذكر ذلك الشيخ تقي
الدين و لم يجروا عليهم احكام اهل الردة كما اجريتم احكام اهل الردة على من لم يقل
او يفعل عشر معشار ما قالوا هؤلاء او فعلوا بل و الله كفرتم من قال الحق الصرف
حيث خالف اهواءكم و انما لم اذكر فرقة الرافضة لانهم معروفون عند الخاص و العام و
قبائحهم مشهورة و من هؤلاء الفرق الذين ذكرنا تشعبت الثنتان و السبعون فرقة اهل
الضلالة المذكورون في السنة في قوله عليه الصلاة و السلام (تفترق هذه الامة على
ثلاث و سبعين فرقة) و ما سوى الثنتين و السبعين و هي الثالثة و السبعون هم الفرقة
الناجية اهل السنة و الجماعة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و الى آخر
الدهر و هي التي لا تزال قائمة على الحق رزقنا الله اتباعهم بحوله و قوته و كلما
ذكرت من اخبار هذه الفرقة فانما اخذته من كتب اهل العلم و اكثر ما انقل عن ابن
تيمية و ابن القيم .
{فصل} و ها انا اذكر لك شيئا مما ذكر اهل العلم من ان مذهب السلف
عدم القول بتكفير هؤلاء الفرق الذين تقدم ذكرهم (قال) الشيخ تقي الدين في كتاب
الايمان لم يكفر الامام احمد الخوارج و لا المرجئة و لا القدرية و انما المنقول عنه و عن
امثاله تكفير الجهمية مع ان احمد لم يكفر اعيان الجهمية و لا كل من قال انا جهمي
كفره بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا الى قولهم و امتحنوا الناس و عاقبوا من لم
يوافقهم بالعقوبات الغليظة و لم يكفرهم احمد و امثاله بل كان يعتقد ايمانهم و امامتهم
و يدعو لهم و يرى لهم الإئتمام بالصلاة خلفهم و الحج و الغزو معهم و المنع من
الخروج عليهم بما يراه لامثالهم من الائمة و ينكر ما احدثوا من القول الباطل الذي هو
كفر عظيم و ان لم يعلموهم انه كفر كان ينكره و يجاهدهم على رده بحسب الامكان
فيجمع بين طاعة الله و رسوله صلى الله عليه و سلم في اظهار السنة و الدين و انكار
بدع الجهمية الملحدين و بين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة و الامة و ان كانوا جهالا
مبتدعين و ظلمة فاسقين انتهى كلام الشيخ فتأمله تأملا خاليا عن الميل و الحيف و قال
الشيخ تقي الدين ايضا من كان في قلبه الايمان بالرسول و بما جاء به و قد غلط في
بعض ما تأوّله من البدع و لو دعى اليها فهذا ليس بكافر اصلا و الخوارج كانوا من
اظهر الناس بدعة و قتالا للامة و تكفيرا لها و لم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي
و لا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار
عنهم بذلك في غير هذا الموضع و كذلك سائر الثنتين و السبعين فرقة من كان منهم
منافقا فهو كافر في الباطن و من كان مؤمنا بالله و رسوله في الباطن لم يكن كافرا في
الباطن و ان كان اخطأ في التأويل كائنا من كان خطاؤه و قد يكون في بعضهم شعبة
من النفاق و لا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الاسفل من النار و من
قال ان الثنتين و السبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة فقد خالف
الكتاب و السنة و اجماع الصحابة بل و اجماع الائمة الاربعة و غير الاربعة فليس فيهم
من كفر كل واحد من الثنتين و السبعين فرقة انتهى كلامه فتأمله و تأمل حكاية
الاجماع من الصحابة و غيرهم من اهل السنة مع ما تقدم لك مما في مذاهبهم من الكفر
العظيم لعلك تنتبه من هذه الهوة التي وقعت فيها انت و اصحابك (و قال ابن القيم ) في
طرق اهل البدع الموافقون على اصل الاسلام و لكنهم مختلفون في بعض الاصول
كالخوارج و المعتزلة و القدرية و الرافضة و الجهمية و غلات المرجئة (فهؤلاء اقسام)
احدها الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر و لا يفسق و لا ترد شهادته اذا لم
يكن قادرا على تعلم الهدى و حكمه حكم المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان
(القسم الثاني) متمكن من السؤال و طلب الهداية و معرفة الحق و لكن يترك ذلك
اشتغالا بدنياه و رياسته و لذاته و معاشه فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما
اوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته فهذا ان غلب ما فيه من البدعة و الهوى
على ما فيه من السنة و الهوى ردت شهادته و ان غلب ما فيه من السنة و الهدى على
ما فيه من البدعة و الهوى قبلت شهادته (الثالث) ان يسأل و يطلب و يتبين له الهدى و
يترك تعصبا او معاداة لاصحابه فهذا اقل درجاته ان يكون فاسقا و تكفيره محل اجتهاد
(انتهى) كلامه فانظره و تأمله فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه و ذكر ان الائمة
و اهل السنة لا يكفرونهم هذا مع ما وصفهم به من الشرك الاكبر و الكفر الاكبر و
بين في غالب كتبه مخازيهم و لنذكر من كلامه طرفا تصديقا لما ذكرنا عنه و قال رحمه
الله تعالى في المدارج المثبتون للصانع نوعان (احدهما) اهل الاشراك به في ربوبيته و
ألوهيته كالمجوس و من ضاهاهم من القدرية فانهم يثبتون مع الله الها آخر و المجوسية
القدرية تثبت مع الله خالقا للافعال ليست افعالهم مخلوقة لله و لا مقدورة له و هي
صادرة بغير مشيئته تعالى و قدرته و لا قدرة له عليها بل هم الذين جعلوا انفسهم
فاعلين مريدين شيائين و حقيقة قول هؤلاء ان الله ليس ربا خالقا لافعال الحيوان
(انتهى) كلامه و قد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه و شبههم بالمجوس الذين يقولون
ان للعالم خالقين و انظر لما تكلم على التكفير هو و شيخه كيف حكوا عدم تكفيرهم
عن جميع اهل السنة حتى مع معرفة الحق و المعاندة قال كفره محل اجتهاد كما تقدم
كلامه قريبا (و ايضا ) الجهمية ذكرهم باقبح الاوصاف و ذكر ان شركهم شرك فرعون
و انهم معطلة و ان المشركين اقل شركا منهم و ضرب لهم مثلا في النونية و غيرها من
كتبهم كالصواعق و غيرها و كذلك المعتزلة كيف وصفهم باكبر القبائح و اقسم ان
قولهم و احزابهم من اهل البدع لا تبقى من الايمان حبة خردل فلما تكلم على تكفيرهم
في النونية لم يكفرهم بل فصل في موضع منها كما فصل في الطرف كما مر و موضع
آخر فيه عن اهل السنة مخاطبة لهؤلاء المبتدعة الذين اقسم ان قولهم لا يبقى من الايمان
حبة خردل يقال و اشهد علينا بأنا لا نكفركم بما معكم من الكفران اذ انتم اهل
الجهالة عندنا لستم اولى كفر و لا ايمان و يأتي ان شاء الله تعالى لهذا مزيد من كلام
الشيخ تقي الدين و حكاية اجماع السلف و ان التكفير هو قول اهل البدع من الخوارج
و المعتزلة و الرافضة و قال ابو العباس ابن تيمية رحمه الله في كلام له في الفرقان و دخل
اهل الكلام المنتسبين الى الاسلام من المعتزلة و نحوهم في بعض مقالة الصابئة و
المشركين ممن لم يهتد بهدى الله الذي ارسل به رسله من اهل الكلام و الجدل صاروا
يريدون ان يأخذوا مأخذهم كما خبر النبي صلى الله عليه و سلم بقوله (لتأخذن مأخذ
من كان قبلكم ) (الحديث الصحيح ) الى ان قال ان هؤلاءالمتكلمين اكثر حقا و اتبع
للادلة لما تنورت به قلوبهم من نور القرآن و الإسلام و ان كانوا قد ضلوا في كثير مما
جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم فوافقوا اولئك على ان الله لا يتكلم و لا تكلم
كما وافقوهم على انه لا علم له و لا قدرة و لا صفة من الصفات الى ان قال فلما رأوا
ان الرسل متفقة على ان الله متكلم و القرآن من اثبات قوله و كلامه صاروا تارة
يقولون ليس بمتكلم حقيقة بل مجازا (و هذا قولهم) الاول لما كانوا في بدعتهم و
كفرهم على الفطرة قبل ان يدخلوا في الفساد و الجحود الى ان قال و هذا قول من
يقول القرآن مخلوق الى ان قال و انكر هؤلاء ان يكون الله متكلما او قائلا على الوجه
الذي دلت عليه الكتب الالهية و افهمت الرسل لقومهم و اتفق عليه اهل الفطر السليمة
الى ان قال و نشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة و بين المسلمين المؤمنين اتباع
الرسول الخلاف فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل و اختلفوا في كتاب الله فآمنوا
ببعض و اتبع المؤمنون ما انزل اليهم من ربهم و علموا ان قول هؤلاء اخبث من قول
اليهود و النصارى حتى كان عبد الله بن المبارك ليقول انا لنحكي قول اليهود و
النصارى و لا نحكي قول الجهمية و كان قد كثر هؤلاء الذين هم فروع المشركين و
من اتبعهم من الصابئة في آخر المائة الثانية في امارة المأمون و ظهرت علوم الصابئين و
المنجمين و نحوهم فظهرت هذه المقالة في اهل العلم و اهل السيف و الامارة و صار في
اهلها من الخلفاء و الامراء و الوزراء و الفقهاء و القضاة و غيرهم ما امتحنوا به
المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات انتهى كلام الشيخ رحمه الله فانظر في هذا
الكلام و تدبره كيف وصف هؤلاء باعظم الكفر و الشرك و بالايمان ببعض الكتاب و
الكفر ببعضه و انهم فروع المشركين و الصابئة و انهم اخذوا مأخذ القرون من قبلهم
اهل الكفر و انهم خالفوا العقل و النقل و الفطرة و انهم خالفوا جميع الرسل في قولهم و
انهم عاندوا الحق و ان اهل العلم يقولون قولهم هذا اخبث من قول اليهود و النصارى
و انهم عذبوا المؤمنين و المؤمنات على الحق و هؤلاء الذين عنا بهذا الكلام هم المعتزلة و
القدرية و الجهمية و من سلك سبيلهم من اهل البدع و غيرهم و الخلفاء الذين يعنيهم
المأمون و المعتصم و الواثق و وزرا ؤهم و قضاتهم و فقهاؤهم و هم الذين جلدوا الامام
احمد رحمه الله و حبسوه و قتلوا احمد بن بصير الخزاعي و غيره و عذبوا المؤمنين و
المؤمنات يدعونهم الى الاخذ بقولهم و هم الذين يعني بقوله فيما تقدم و ما يأتي ان
الامام احمد لا يكفرهم و لا احد من السلف و ان احمد صلى خلفهم و استغفر لهم و
رأى الإئتمام بهم و عدم الخروج عليهم و ان الامام احمد يرد قولهم الذي هو كفر
عظيم كما تقدم كلامه فراجعه (فبالله) عليك تأمل اي هذا و اي قولكم فيمن خالفكم
فهو كافر و من لم يكفره فهو كافر (بالله عليكم) انتهوا عن الخفا و قول الزور و
اقتدوا بالسلف الصالح و تجنبوا طريق اهل البدع و لا تكونوا كالذي زين له سوء عمله
فرآه حسنا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى و من البدع المنكرة تكفير الطائفة و
غيرها من طوائف المسلمين و استحلال دمائهم و اموالهم و هذا عظيم لوجهين
(احدهما) ان تلك الطائفة الاخرى قد لا يكون فيها من البدعة اعظم مما في الطائفة
المكفرة لها بل قد تكون بدعة الطائفة المكفرة لها اعظم من بدعة الطائفة المكفرة و قد
تكون نحوها و قد تكون دونها و هذا حال عامة اهل البدع و الاهوى الذين يكفرون
بعضهم بعضا و هؤلاء من الذين قال الله فيهم (اِنَّ الَّذِينَ َفرَُّقوا دِينَهُمْ وَ َ كانُوا شِيَعًا
َلسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) الانعام : 159 (الثاني ) انه لو فرض ان احدى الطائفتين مختصة
بالبدعة و الاخرى موافقة للسنة لم يكن لهذه السنة ان تكفر كل من قال قولا اخطأ فيه
فان الله تعالى قال (رَبنَا َ لا تُؤَاخِذنَآ اِن نَسِينَآ َاوْ َاخْطْانَا ) البقرة: 286 و ثبت في
الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم ان الله تعالى قال قد فعلت و قال تعالى (وَ
َليْسَ عََليْ ُ كمْ جُنَاحٌ فِيمَآ َاخْطْأتُمْ بِهِ وَ َلكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم ) الاحزاب : 5 و
روى عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (ان الله تجاوز لامتي عن الخطإ و النسيان
و ما استكرهوا عليه) و هو حديث حسن رواه ابن ماجة و غيره و قد اجمع الصحابة
و التابعون لهم باحسان و سائر ائمة المسلمين على انه ليس كل من قال قولا اخطأ فيه
انه يكفر بذلك و لو كان قوله مخالفا للسنة و لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد
بسطت في غير هذا الموضع.
و قال الشيخ رحمه الله ايضا الخوارج لهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بها
جماعة المسلمين و ائمتهم (احدهما ) خروجهم عن السنة و جعلهم ما ليس بسيئة سيئة و
جعلهم ما ليس بحسنة حسنة (الثاني) في الخوراج و اهل البدع انهم يكفرون بالذنوب و
السيئات و يترتب على ذلك استحلال دماء المسلمين و اموالهم و ان دار الاسلام دار
حرب و دارهم هي دار الايمان و بذلك يقول جمهور الرافضة و جمهور المعتزلة و
الجهمية و طائفة من غلات المنتسبة الى اهل الحديث فينبغي للمسلم ان يحذر من هذين
الاصلين الخبيثين و ما يتولد عنهما من بعض المسلمين و ذمهم و لعنهم و استحلال
دمائهم و اموالهم و عامة البدع انما تنشأ من هذين الاصلين (اما الاول ) فسببه التأويل
الفاسد اما حديث بلغه غير صحيح او عن غير الرسول صلى الله عليه و سلم قلد قائله
فيه و لم يكن ذلك القائل مصيبا او تأويل تأوله من آية من كتاب الله و لم يكن التأويل
صحيحا او قياسا فاسدا او رأيا رآه اعتقده صوابا و هو خطأ الى (ان قال ) قال احمد
اكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل و القياس و قال الشيخ اهل البدع صاروا يبنون
دين الاسلام على مقدمات يظنون صحتها اما في دلالة الالفاظ و اما في المعاني المعقولة
و لا يتأملون بيان الله و رسوله صلى الله عليه و سلم فانها تكون ضلالا و قد تكلم
احمد على من يتمسك مما يظهر له من القرآن من غير استدلال بيان الرسول صلى الله
عليه و سلم و الصحابة و التابعين و هذه طريقة سائر ائمة المسلمين لا يعدلون عن بيان
الرسول صلى الله عليه و سلم ان وجدوا الى ذلك سبيلا و قال الشيخ ايضا انا دائما و
من جالسني يعلم مني اني من اعظم الناس نهيا من ان ينسب معين الى تكفير او الى
تفسيق او معصية الا اذا علم انه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان
كافرا تارة و فاسقا اخرى و عاصيا اخرى و اني اقرر ان الله قد غفر لهذه الامة خطأها
و ذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية و المسائل العلمية و ما زال السلف يتنازعون في
كثير من هذه المسائل و لم يشهد احد منهم على احد منهم معين لاجل ذلك لا بكفر
و لا بفسق و لا بمعصية كما انكر شريح قراءة بل عجبت و يسخرون و قال ان الله لا
يعجب الى ان قال و قد آل التراع بين السلف الى الاقتتال مع اتفاق اهل السنة على ان
الطائفتين جميعا مؤمنتان و ان القتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم لان المقاتل و ان كان
باغيا فهو متأوّل و التأويل يمنع الفسق و كنت ابين لهم ان ما نقل عن السلف و الأئمة
من اطلاق القول بتكفير من يقول كذا و كذا فهو ايضا حق لكن يجب التفريق بين
الاطلاق و التعيين و هذه اول مسألة تنازعت فيها الامة من مسائل الاصول الكبار و
هي مسألة الوعيد فان نصوص الوعيد في القرآن المطلقة عامة كقوله تعالى (اِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلون َامْوَال الْيَتَامَى ُ ظْلمًا ) النساء: 10 و كذلك سائر ما ورد من فعل كذا فله
كذا او فهو كذا فان هذه النصوص مطلقة عامة و هي بمترلة من قال من السلف من
قال كذا فهو كافر الى ان قال و التكفير يكون من الوعيد فانه و ان كان القول تكذيبا
لما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالاسلام او
نشأ ببادية بعيدة و قد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص او سمعها و لم تثبت عنده
او عارضها عنده معارض آخر او وجب تأويلها و ان كان مخطئا (و كنت ) دائما اذكر
الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لاهله اذا أنا متّ فاحرقوني الحديث
فهذا رجل شك في قدرة الله و في اعادته اذا ذرى بل اعتقد انه لا يعاد و هذا كفر
باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك و كان مؤمنا يخاف الله ان يعاقبه فغفر
له بذلك و المتأوّل من اهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه و سلم
اولى بالمغفرة من مثل هذا (انتهى ) و قال الشيخ رحمه الله و قد سئل عن رجلين تكلما
في مسألة التكفير فاجاب و اطال و قال في آخر الجواب لو فرض ان رجلا دفع التكفير
عمن يعتقد انه ليس بكافر حماية له و نصرا لاخيه المسلم لكان هذا غرضا شرعيا حسنا
و هو اذا اجتهد في ذلك فاصاب فله اجران و ان اجتهد فيه فاخطأ فله اجر و قال
رحمه الله التكفير انما يكون بانكار ما علم من الدين بالضرورة او بانكار الاحكام
المتواترة المجمع عليها (انتهى) فانظر الى هذا الكلام و تأمله و هل هذا كقولكم هذا
كافر و من لم يكفره فهو كافر و هو قال ان دفع عنه التكفير و هو مخطئ فله اجر و
انظر و تأمل كلامه الاول و هو ان القول قد يكون كفرا و لكن القائل او الفاعل لا
يكفر لإحتمال امور منها عدم بلوغ العلم على الوجه الذي يكفر به اما لم يبلغه و اما
بلغه و لكن ما فهمه او فهمه و لكن قام عنده معارض اوجب تأويله ا لى غير ذلك مما
ذكره فيا عباد الله تنبهوا و ارجعوا الى الحق و امشوا حيث مشى السلف الصالح و قفوا
حيث وقفوا و لا يستعزكم الشيطان و يزين لكم تكفير اهل الاسلام و تجعلون ميزان
كفر الناس مخالفتكم و ميزان الاسلام موافقتكم فانا لله و انا اليه راجعون آمنا بالله و بما
جاء عن الله على مراد الله و على مراد رسوله انقذنا الله و اياكم من متابعة الاهواء .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى لما ذكر انواع الكفر و كفر الجحود نوعان
كفر مطلق عام و كفر مقيد خاص فالمطلق ان يجحد جملة ما انزل الله و رسالة رسول
الله صلى الله عليه و سلم و الخاص المقيد ان يجحد فرضا من فروض الاسلام او محرما
من محرماته او صفة وصف الله بها نفسه او خبرا اخبر الله به عمدا او تقديما لقول من
خالفه عالما عمدا لغرض من الاغراض و اما ذلك جهلا او تأويلا يعذ و فيه فلا يكفر
صاحبه لما في الصحيحين و السنن و المسانيد عن ابي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه
و سلم قال رجل لم يعمل خيرا قط لاهله و في رواية اسرف رجل على نفسه فلما
حضر اوصى بنيه اذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر و نصفه في البحر فو الله لان
قدر الله عليه ليعذبنه عذابا ما عذب به احدا من العالمين فلما مات فعلوا ما امر هم فامر
الله البحر فجمع ما فيه و امر البر و جمع ما فيه ثم قال لم فعلت قال من خشيتك يا رب
و انت تعلم فغفر له (فهذا) منكر لقدرة الله عليه و منكر للبعث و المعاد و مع هذا غفر
الله له و عذره بجهله لان ذلك مبلغ علمه لم ينكر ذلك عنادا و هذا فصل التراع في
بطلان قول من يقول ان الله لا يعذر العباد بالجهل في سقوط العذاب اذا كان ذلك
مبلغ علمه (انتهى ) و قد سئل ابن تيمية عن التكفير الواقع في هذه الامة من اول من
احدثه و ابتدعه فاجاب اول من احدثه في الاسلام المعتزلة و عنهم تلقاه من تلقاه و
كذلك الخوارج هم اول من اظهره و اضطرب الناس في ذلك فمن الناس من يحكي عن
مالك فيه قولين و عن الشافعي كذلك و عن احمد روايتان و ابو الحسن الاشعري و
اصحابه لهم قولان و حقيقة الامر في ذلك ان القول قد يكون كفرا فيطلق القول تكفير
قائله و يقال من قال كذا فهو كافر لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر حتى تقوم
عليه الحجة التي يكفر تاركها من تعريف الحكم الشرعي من سلطان او امير مطاع كما
هو المنصوص عليه في كتب الاحكام فاذا عرفه الحكم و زالت عنه الجهالة قامت عليه
الحجة و هذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب و السنة و هي كثيرة جدا و
القول بموجبها واجب على وجه العموم و الاطلاق من غير ان يعين شخص من
الاشخاص فيقال هذا كافر او فاسق او ملعون او مغضوب عليه او مستحق للنار لا
سيما ان كان للشخص فضائل و حسنات فان ما سوى الانبياء يجوز عليهم الصغائر و
الكبائر مع إمكان ان يكون ذلك الشخص صديقا او شهيدا او صالحا كما قد بسط في
غير هذا الموضع من ان موجب الذنوب تنخلف عنه بتوبة او باستغفار او حسنات
ماحية او مصائب مكفرة او شفاعة مقبولة او لمحض مشيئة الله و رحمته.
(فاذا قلنا) بموجب قوله تعالى (وَ مَنْ يَقتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) النساء: 93 و
قوله (اِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلون َامْوَال الْيَتَامَى ُ ظْلمًا اِنَّمَا يَأْكُلون فِي بُطونِهِمْ نَارًا وَ سَيَصَْلوْن سَعِيرًا ) النساء: 10
و قوله (وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُوَلهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ ) النساء: 14
و قوله ( لا تَاْكُلُوا َامْوَاَلكمْ بَيْنَكمْ بِاْلبَاطِلِ اِلاَّ َان تَكون تِجَارًَة عَنْ تَرَاضٍ مِنْكمْ وَ َلا
تَقْتُلُوا َانْفُسَكُمْ اِنَّ اللهَ كَان بِكمْ رَحِيمًا * وَ مَنْ يَفعَل َ ذلِكَ عُدْوَانًا وَ ُظْلمًا) النساء: 29, 30
الى غير ذلك من آيات الوعيد .
(قلنا) بموجب قوله صلى الله عليه و سلم (لعن الله من شرب الخمر او من
عق والديه او من غير منار الارض او من ذبح لغير الله او لعن الله السارق او لعن
الله آكل الربا و مؤكله و شاهده و كاتبه او لعن الله لآوي الصدقة و المتعدي فيها
او من احدث في المدينة حدثا او آوي محدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس
اجمعين) الى غير ذلك من احاديث الوعيد لم يجز ان تعين شخصا ممن فعل بعض هذه
الافعال و تقول هذا المعين قد اصابه هذا الوعيد لا مكان التوبة و غيرها من مسقطات
العقوبة الى ان قال ففعل هذه الامور ممن يحسب انها مباحة باجتهاد او تقليد و نحو ذلك
و غايته انه معذور من لحوق الوعيد به لمانع كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة او
حسنات ماحية او مصائب مكفرة او غير ذلك و هذه السبيل هي التي يجب اتباعها فان
ما سواها طريقان خبيثان احدهما القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الافراد بعينه و
دعوى انها عمل بموجب النصوص و هذا اقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب و
المعتزلة و غيرهم و فساده معلوم بالاضطرار و ادلته معلومة في غير هذا الموضع فهذا و
نحوه من نصوص الوعيد حق لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد فلا
يشهد على معين من اهل القبلة بالنار لفوات شرط او لحصول مانع و هكذا الاقوال
الذي يكفر قائلها قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق و قد تكون
بلغته و لم تثبت عنده او لم يتمكن من معرفتها و فهمها او قد عرضت له شبهات
يعذره الله بها فمن كان مؤمنا بالله و برسوله مظهرا للاسلام محبا لله و رسوله فان الله
يغفر له و لو قارف بعض الذنوب القولية او العملية سواء اطلق عليه لفظ الشرك او
لفظ المعاصي هذا الذي عليه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماهير ائمة
الاسلام لكن المقصود ان مذاهب الائمة مبنية على هذا التفصيل بالفرق بين النوع و
العين بل لا يختلف القول عن الامام احمد و سائر ائمة الاسلام كمالك و ابي حنيفة و
الشافعي انهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون الايمان قول بلا عمل و نصوصهم صريحة
بالامتناع من تكفير الخوارج و القدرية و غيرهم و انما كان الامام احمد يطلق القول
بتكفير الجهمية لانه ابتلى بهم حتى عرف حقيقة امرهم و انه يدور على التعطيل و
تكفير الجهمية مشهور عن السلف و الأئمة لكن ما كانوا يكفرون اعيانهم فان الذي
يدعو الى القول اعظم من الذي يقوله و لا يدعو اليه و الذي يعاقب مخالفه اعظم من
الذي يدعو فقط و الذي يكفر مخالفه اعظم من الذي يعاقب و مع هذا فالذين من ولاة
الامور يقولون بقول الجهمية ان القرآن مخلوق و ان الله لا يرى في الآخرة و ان ظاهر
القرآن لا يحتج به في معرفة الله و لا الاحاديث الصحيحة و ان الدين لا يتم الا بما
زخرفوه من الآراء و الخيالات الباطلة و العقول الفاسدة و ان خيالاتهم و جهالاتهم
احكم في دين الله من كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و اجماع
الصحابة و التابعين لهم باحسان و ان اقوال الجهمية و المعطلة من النفي و الاثبات
احكم في دين الله بسبب ذلك امتحنوا المسلمين و سجنوا الامام احمد و جلدوه و قتلوا
جماعة و صلبوا آخرين و مع ذلك لا يطلقون اسيرا و لا يعطون من بيت المال الا من
وافقهم و يقر بقولهم و جرى على الاسلام منهم امور مبسوطة في غير هذا الموضع و
مع هذا التعطيل الذي هو شر من الشرك فالامام احمد ترحم عليهم و استغفر لهم و قال
ما علمت انهم مكذبون للرسول صلى الله عليه و سلم و لا جاحدون لما جاء به لكنهم
تأولوا فاخطأوا و قلدوا من قال ذلك و الامام الشافعي لما ناظر حفص الفرد من ائمة
المعطلة في مسألة القرآن و قال القرآن مخلوق قال له الامام الشافعي كفرت بالله العظيم
فكفره و لم يحكم بردته بمجرد ذلك و لو اعتقد ردته و كفره لسعى في قتله و افتى
العلماء بقتل دعاتهم مثل غليان القدري و الجعد بن درهم وجهم بن صفوان امام
الجهمية و غيرهم و صلى الناس عليهم و دفنوهم مع المسلمين و صار قتلهم من باب
قتل الصائل لكف ضررهم لا لردتهم و لو كانوا كفارا لرآهم المسلمون كغيرهم و هذه
الامور مبسوطة في غير هذا الموضع (انتهى) كلام الشيخ و انما سقته بطوله لبيان ما
تقدم مما اشرت اليه و لما فيه من اجماع الصحابة و السلف و غير ذلك مما فصل فاذا
كان هذا كفر هؤلاء و هو اعظم من الشرك كما تقدم بيانه مرارا من كلام الشيخين
مع ان اهل العلم من الصحابة و التابعين و تابعيهم الى زمن احمد بن حنبل هم
المناظرون و المبينون لهم مع ان قولهم هذا خلاف الكتاب و السنة و اجماع سلف الامة
من الصحابة فمن بعدهم و هو خلاف العقل و النقل مع البيان التام من اهل العلم و
مع هذا لم يكفروهم حتى دعاتهم الذين قتلوا لم يكفروهم المسلمون اما في هذا عبرة
لكم تكفرون عوام المسلمين و تستبيحون دماءهم و اموالهم و تجعلون بلادهم بلاد
حرب و لم يوجد منهم عشر معشار ما وجد من هؤلاء و ان وجد منهم شيئ من
انواع الشرك سواء شرك اصغر او اكبر فهم جهال لم تقم عليهم الحجة الذي يكفر
تاركها اتظنون ان اولئك السادة ائمة اهل الاسلام ما قامت الحجة بكلامهم و انتم
قامت الحجة بكم بل و الله تكفرون من لا يكفر من كفرتم و ان لم يوجد منه شيئ من
الشرك و الكفر الله اكبر لقد جئتم شيئا ادا (يا عباد الله ) اتقوا الله خافوا ذا البطش
الشديد لقد آذيتم المؤمنين و المؤمنات ان الذين يرمون المؤمنين و المؤمنات بغير ما
اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و اثما مبينا و الله ما لعباد الله عند الله ذنب الا انهم لم
يتبعوكم على تكفير من شهدت النصوص الصحيحة باسلامه و اجمع المسلمون على
اسلامه فان اتبعوكم اغضبوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم و ان عصوا
اراءكم حكمتم بكفرهم وردتهم و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال
(لست اخاف على امتي غوغا تقتلهم و لا عدوا يجتاحهم و لكن اخاف على امتي
ائمة مضلين ان اطاعوهم فتنوه و ان عصوهم قتلوهم ) رواه الطبراني من حديث ابي
امامة و كان ابو بكر الصديق رضي الله عنه يقول اطيعوني ما اطعت الله و ان عصيت
فلا طاعة لي عليكم و يقول انا اخطئ و اصيب و اذا ضربه امر جمع الصحابة و
استشارهم و عمر يقول مثل ما قال ابوبكر و يفعل مثل ما يفعل و كذلك عثمان و
علي رضوان الله تعالى عليهم اجمعين و ائمة اهل العلم لا يلزمون احدا ان يأخذ بقولهم
بل لما عزم الرشيد بحمل الناس على الاخذ بموطأ الامام مالك رضي الله عنه قال له
مالك لا تفعل يا امير المؤمنين فان العلم انتشر عند غيري او كلاما هذا معناه و كذلك
جميع علماء اهل السنة لم يلزم احد منهم الناس الاخذ بقوله وانتم تكفرون من لا
يقول بقولكم و يرى رأيكم سألتك بالله انتم معصومون فيجب الاخذ بقولكم (فان
قلت لا) فلم توجبون على الامة الاخذ بقولكم ام تزعمون انكم ائمة تجب طاعتكم
فانا اسألك بالله هل اجتمع في رجل منكم شروط الامامة التي ذكرها اهل العلم او حتى
خصلة واحدة من شروط الامامة بالله عليكم انتهوا و اتركوا التعصيب هبنا عذرنا
العامي الجاهل الذي لم يمارس شيئا من كلام اهل العلم فانت ما عذرك عند الله اذا
لقيته بالله عليك تنبه و احذر عقوبة جبار السموات و الارض فقد نقلنا لك كلام العلم
و اجماع اهل السنة و الجماعة الفرقة الناجية و سيأتيك ان شاء الله ما يصير سببا لهداية
من اراد الله هدايته.
{فصل} قال ابن القيم في شرح المنازل اهل السنة متفقون على ان الشخص
الواحد يكون فيه ولاية لله و عداوة من وجهين مختلفين و يكون محبوبا لله مبغوضا من
وجهين بل يكون فيه ايمان و نفاق و ايمان و كفر و يكون الى احدهما اقرب من الآخر
فيكون الى اهله كما قال تعالى (هُمْ لِْلكفرِ يَوْمَئِذٍ َاقْرَبُ مِنْهُمْ لِْلاِيمَانِ ) آل عمران:
167 و قال (وَ مَا يُؤْمِنُ َاكَْثرُهُمْ بِاللهِ اِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكون ) يوسف: 106 فاثبت
لهم تبارك و تعالى الايمان مع مقارنة الشرك فان كان مع هذا الشرك تكذيبا لرسله لم
ينفعهم ما معهم من الايمان و ان كان تصديقا برسله وهم يرتكبون الانواع من الشرك
لا يخرجهم عن الايمان بالرسل و اليوم الآخر فهم مستحقون للوعيد اعظم من
استحقاق اهل الكبائر و بهذا الاصل اثبت اهل السنة دخول اهل الكبائر النار ثم
خروجهم منها و دخولهم الجنة لما قام بهم من السببين قال و قال ابن عباس في قوله
تعالى (وَ مَنْ َلمْ يَحْكمْ بِمَآ انْزَل اللهُ فَُاوَلئِكَ هُمُ الْكافِرُون ) المائدة: 44 قال ابن
عباس رضي الله عنهما ليس بكفر ينقل عن الملة اذا فعله فهو به كفر و ليس كمن كفر
بالله و اليوم الآخر و كذلك قال طاووس و عطاء (انتهى كلامه) و قال الشيخ تقي
الدين كان الصحابة و السلف يقولون إنه يكون في العبد ايمان و نفاق و هذا يدل عليه
قوله عزّ و جل (هُمْ لِْلكفرِ يَوْمَئِذٍ َاقْرَبُ مِنْهُمْ لِْلاِيمَان) و هذا كثير في كلام السلف
يبينون ان القلب يكون فيه ايمان و نفاق و الكتاب و السنة يدل على ذلك و لهذا قال
النبي صلى الله عليه و سلم (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ايمان) فعلم
انه من كان معه من الايمان اقل قليل لم يخلد في النار و ان كان معه كثير من النفاق
فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج الى ان قال و تمام هذا ان الانسان قد
يكون فيه شعبة من شعب الايمان و شعبة من شعب الكفر و شعبة من شعب النفاق و
قد يكون مسلما و فيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الاسلام بالكلية كما قال
الصحابة ابن عباس و غيره كفر دون كفر و هذا عامة قول السلف (انتهى ) فتأمل هذا
الفصل و انظر حكايتهم الاجماع من السلف و لا تظن ان هذا في المخطئ فان ذلك
مرفوع عنه اثم خطأه كما تقدم مرارا عديدة فانتم الآن تكفرون باقل القليل من الكفر
بل تكفرون بما تظنون انتم انه كفر بل تكفرون بصريح الاسلام فان عندكم ان من
توقف عن تكفير من كفرتموه خائفا من الله تعالى في تكفير من رأى عليه علامات
الاسلام فهو عندكم كافر نسأل الله العظيم ان يخرجكم من الظلمات الى النور وان
يهدينا و اياكم صراط المستقيم صراط الذين انعم عليهم من النبيين و الصديقين و
الشهداء و الصالحين.
{فصل} قال الشيخ تقي الدين في كتاب الايمان الايمان الظاهر الذي تجري
عليه الاحكام في الدنيا لا يستلزم الايمان في الباطن و ان المنافقين الذين قالوا آمنا بالله و
باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين و يناكحونهم
و يوارثونهم كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يحكم
النبي صلى الله عليه و سلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا في مناكحتهم و لا في
موارثتهم و لا نحو ذلك بل لما مات عبد الله ابن ابي و هو من اشهر الناس في النفاق
ورثه عبد الله ابنه و هو من خيار المؤمنين و كذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته
المؤمنون و اذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين و ان علم انه منافق في الباطن و
كذلك كانوا في الحدود و الحقوق كسائر المسلمين و كانوا يغزون مع النبي صلى الله
عليه و سلم و منهم من هم بقتل النبي صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك و مع هذا
ففي الظاهر تجرئ عليهم احكام اهل الايمان الى ان قال و دماؤهم و اموالهم معصومة لا
يستحل منهم ما يستحل من الكفار و الذين يظهرون انهم مؤمنون بل يظهرون الكفر
دون الايمان فانه صلى الله عليه و سلم قال (امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا
اله الا الله و اني رسول الله فاذا قالوها عصموا مني دمائهم و اموالهم الا بحقها و
حسابهم على الله) و لما قال لاسامة (أقتلته بعد ان قال لا اله ا ّ لا الله ) قال فقلت انما
قالها تعوذا قال (هل شققت عن قلبه ) و قال (اني لم اؤمر ان انقب عن قلوب الناس و
لا اشق بطونهم) و كان اذا استؤذن في قتل رجل يقول أليس يصلي أليس يشهد فاذا
قيل له انه منافق قال ذلك فكان حكمه في دمائهم و اموالهم كحكمه في دماء غيرهم و
لا يستحل منها شيئا مع انه يعلم نفاق كثير منهم انتهى كلام الشيخ (قال) ابن القيم في
اعلام الموقعين قال الامام الشافعي فرض الله سبحانه طاعته على خلقه و لم يجعل لهم
من الامر شيئا و ان لا يتعاطوا حكما على عيب احد بدلالة و لا ظن لقصور علمهم
عن علم انبيائه الذي فرض عليهم الوقوف عما ورد عليهم حتى يأتيهم امره فانه
سبحانه ظاهر عليهم الحجج فما جعل عليهم الحكم في الدنيا الا بما ظهر المحكوم عليه
ففرض على نبيه صلى الله عليه و سلم ان يقاتل اهل الاوثان حتى يسلموا فيحقن
دمائهم اذا اظهروا الاسلام و اعلم انه لا يعلم صدقهم بالاسلام الا الله تبارك و تعالى
ثم اطلع الله رسوله صلى الله عليه و سلم على قوم يظهرون الاسلام و يسرون غيره و
لم يجعل له ان يحكم عليهم بخلاف حكم الاسلام و لم يجعل له ان يقضي عليهم في
الدنيا بخلاف ما اظهروا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم (قَاَلتِ اْلاَعْرَابُ آمَنَّا
ُقل َلمْ تُؤْمِنُوا وَ َلكِنْ ُقوُلوا َاسَْلمْنَا) يعني اسلمنا بالقول مخافة القتل و السبا ثم اخبر انه
يجزيهم ان اطاعوا الله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم يعني ان احدثوا طاعة رسول
الله صلى الله عليه و سلم و قال في المنافقين و هم صنف ثان (اِذا جَآءَكَ الْمُنَافُِقون
َقاُلوا نَشْهَدُ اِنَّكَ َلرَسُول اللهِ وَ الله يَعَْلمُ اِنَّكَ َلرَسُوُلهُ وَ الله يَشْهَدُ اِنَّ الْمُنَافِقِينَ
َلكاذِبُون * اِتَّخَذو ا َايْمَانَهُمْ جنًَّة ) المنافقون : 1 يعني جنة من القتل و قال (سيحلفون
بالله لكم انهم لمنكم و ما هم منكم ) فامر بقول ما اظهروا و لم يجعل سبحانه لنبيه
صلى الله عليه و سلم ان يحكم عليهم بخلاف حكم الايمان و قد اعلم الله سبحانه نبيه
صلى الله عليه و سلم انهم في الدرك الاسفل من النار فجعل حكمه سبحانه على
سرائرهم و حكم نبيه صلى الله عليه و سلم في الدنيا على علانيتهم الى ان قال و قد
كذبهم في قولهم في كل ذلك و بذلك اخبر النبي صلى الله عليه و سلم عن الله سبحانه
بما اخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله بن يزيد بن عدي بن
الخبار ان رجلا سار النبي صلى الله عليه و سلم فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله
صلى الله عليه و سلم فاذا هو يساره في قتل رجل من المنافقين قال النبي صلى الله عليه
و سلم (اليس يشهد ان لا اله الا الله ) قال بلى و لا صلاة له فقال النبي صلى الله عليه
و سلم (اولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) ثم ذكر حديث (امرت ان اقاتل الناس )
حتى قال فحسابهم بصدقهم و كذبهم و سرائرهم على الله العالم بسرائرهم المتولى
الحكم عليهم دون انبيائه و حكام خلقه و بذلك مضت احكام رسول الله صلى الله
عليه و سلم فيما بين العباد من الحدود و جميع الحقوق اعلمهم ان جميع احكامه علي
ما يظهرون و الله يدين بالسرائر فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالا
على ما اظهروا خلاف ما ابطنوا بدلالة منهم او غير دلالة لم يسلم عندي من خلاف
التنزيل و السنة الى ان قال و من اظهر كلمة الاسلام بان شهد ان لا اله الا الله و ان
محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك منه و لم يسأل عن كشف حاله او
عن بطانه و عن معنى ما لفظ به و باطنه و سريرته الى الله لا الى غيره من نبي او غيره
فهذا حكم الله و دينه الذي اجمعت عليه علماء الامة انتهى كلام الشافعي رحمه الله قال
ابن القيم بعد ما حكى كلام الشافعي و هذه الاحكام جارية منه صلى الله عليه و سلم
ثم هي الذي مشى عليه الصحابة و التابعون لهم باحسان و الائمة و سائر المتبعين له من
علماء امته الى يوم القيامة (انتهى ).
{فصل} قد تقدم لك من كلام اهل العلم و اجماعهم انه لا يجوز ان يقلد و
يؤتم به في الدين الا من جمع شروط الاجتهاد اجماعا و تقدم ان من لم يجمع شروط
الاجتهاد انه يجب عليه التقليد و ان هذا لا خلاف فيه و تقدم ايضا اجماع اهل السنة
ان من كان مقرا بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ملتزما له انه و ان كان فيه
خصلة من الكفر الاكبر او الشرك ان لا يكفر حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها
و ان الحجة لا تقوم الا بالاجماع القطعي لا الظني و ان الذي يقوم الحجة الامام او نائبه
و ان الكفر لا يكون الا بانكار الضروريات من دين الاسلام كالوجود و الوحدانية و
الرسالة او بانكار الامور الظاهرة كوجوب الصلاة و ان المسلم المقر بالرسول اذا استند
الى نوع شبهة تخفى على مثله لا يكفر و ان مذهب اهل السنة و الجماعة التحاشى عن
تكفير من انتسب الى الاسلام حتى انهم يقفون عن تكفير ائمة اهل البدع مع الامر
بقتلهم دفعا لضررهم لا لكفرهم و ان الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر و الايمان و
النفاق و الشرك و لا يكفر كل الكفر و ان من اقر بالاسلام قبل منه سواء كان صادقا
او كاذبا و لو ظهرت منه بعض علامات النفاق و ان المكفرين هم اهل الاهواء و
البدع و ان الجهل عذر عن الكفر و كذلك الشبهة و لو كانت ضعيفة و غير ذلك مما
تقدم فان وفقت ففي هذا كفاية للزجر عن بدعتكم هذه التي فارقتم بها جماعة المسلمين
و ائمتهم و نحن لم نستنبط و لكن حكينا كلام العلماء و نقلهم عن اهل الاجتهاد
الكامل (فلنرجع) الى ذكر وجوه تدل على عدم صحة ما ذهبتم اليه من تكفير المسلم و
اخراجه من الاسلام اذا دعى غير الله او نذر لغير الله او ذبح لغير الله او تبرك بقبر او
تمسح به الى غير ذلك مما تكفرون به المسلم بل تكفرون من لا يكفر من فعل ذلك حتى
جعلتم بلاد الاسلام كفرا و حربا فنقول عمدتكم في ذلك ما استنبطتم من القرآن فقد
تقدم الاجماع على انه لا يجوز لمثلكم الاستنباط و لا يحل لكم ان تعتمدوا على ما
فهمتم من غير الاقتداء باهل العلم و لا يحل لاحد يؤمن بالله و اليوم الآخر ان يقلدكم
فيما فهمتم من غير اقتداء بائمة الاسلام.
فان قلتم مقتدون ببعض اهل العلم في ان هذه الافعال شرك (قلنا نعم ) و
نحن نوافقكم على ان من هذه الافعال ما يكون شركا و لكن من اين اخذتم من كلام
اهل العلم ان هذا هو الشرك الاكبر الذي ذكر الله سبحانه في القرآن و الذي يحل مال
صاحبه و دمه و تجري عليه احكام المرتدين و ان من شك في كفره فهو كافر بينوا لنا
من قال ذلك من ائمة المسلمين و انقلوا لنا كلامهم و اذكروا مواضعه هل اجمعوا عليه
ام اختلفوا فيه فنحن طالعنا بعض كلام اهل العلم و لم نجد كلامكم هذا بل وجدنا ما
يدل على خلافه و ان الكفر بانكار الضروريات كالوجود و الوحدانية و الرسالة و ما
اشبه ذلك او بانكار الاحكام المجتمع عليها اجماعا ظاهرا قطعيا كوجوب اركان الاسلام
الخمسة و ما اشبهها مع ان من انكر ذلك جاهلا لم يكفر حتى يعرف تعريفا تزول معه
الجهالة و حينئذ يكون مكذبا لله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم فهذه الامور التي
يكفرون بها ليست ضروريات.
و ان قلتم مجمع عليها اجماعا ظاهرا يعرفه الخاص و العام قلنا لكم بينوا لنا
كلام العلماء في ذلك و الا فبينوا كلام الف منهم و حتى مائة او عشرة او واحد فضلا
ان يكون اجماعا ظاهرا كالصلاة فان لم تجدوا الا العبارة التي في الاقناع منسوبة الى
الشيخ و هي من جعل بينه و بين الله وسائط الى آخره فهذه عبارة مجملة و نطلب
منكم تفصيلها من كلام اهل العلم لتزول عنا الجهالة و لكن من اعجب العجب انكم
تستدلون بها عل خلاف كلام صاحبها و على خلاف كلام من اوردها و نقلها في
كتبه على خصوصيات كلامهم في هذه الاشياء التي تكفرون بها بل ذكروا النذر و
الذبح و بعض الدعاء و بعضها عدّوه في المكروهات كالتبرك و التمسح و اخذ تراب
القبور للتبرك و الطواف بها و قد ذكر العلماء في كتبهم منهم صاحب الاقناع و اللفظ
له قال و يكره المبيت عند القبر و تجصيصه و تزويقه و تخليقه و تقبيله و الطواف به و
تبخيره و كتابة الرقاع اليه و دسها في الانقاب و الاستشفاء بالتربة من الاسقام لان
ذلك كله من البدع (انتهى) و انتم تكفرون بهذه الامور .
(فاذا قلتم) صاحب الاقناع و غيره من علماء الحنابلة كصاحب الفروع
جهال لا يعرفون الضروريات بل عندكم على لازم مذهبكم كفار (قلت) هؤلاء لم
يحكوا من مذهب انفسهم لا هم و لا اجل منهم بل ينقلون و يحكون مذهب احمد بن
حنبل احد ائمة الاسلام الذي اجمعت الامة على امامته اتظنون ان الجاهل يجب عليه ان
يقلدكم و يترك تقليد ائمة اهل العلم بل اجمع ائمة اهل العلم كما تقدم انه لا يجوز الا
تقليد الائمة المجتهدين و كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد ان يحكي و يفتي بمذاهب اهل
الاجتهاد و انما رخصوا للمستفتي ان يستفتي مثل هؤلاء لانهم حاكين مذاهب اهل
الاجتهاد و التقليد للمجتهد لا للحاكي هذا صرح به عامة اهل العلم ان طلبته من
مكانه وجدته و قد تقدم لك ما فيه كفاية (و انما) المقصود ان العبارة التي تستدلون بها
على تكفير المسلمين لا تدل لمرادكم و ان من نقل هذه العبارة و استدل بها هم الذين
ذكروا النذر و الدعاء و الذبح و غيره ذكروا ذلك كله في مواضعه و لم يجعلوه كفرا
مخرجا عن الملة سوى ما ذكره الشيخ في بعض المواضع في نوع من الدعاء كمغفرة
الذنوب و انزال المطر و انبات النبات و نحو ذلك مما انه ذكر ان هذا وان كان كفرا
فلا يكفر صاحبه حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها و تزول عنه الشبهة ولم
يحكه عن قوله اي التكفير بالدعاء المذكور اجماعا حتى تستدلون انتم عليه بالعبارة بل و
الله لازم قولكم تكفير الشيخ بعينه و احزابه نسأل الله العافية و مما يدل على ان ما
فهمتم من العبارة غير صواب انهم عدوا الامور المكفرات فردا فردا في كتاب الردة في
كل مذهب من مذاهب الائمة ولم يقولوا او واحد منهم من نذر لغير الله كفر بل
الشيخ نفسه الذي تستدلون بعبارته ذكر ان النذر للمشايخ لاجل الاستغاثة بهم
كالحلف بالمخلوق كما تقدم كلامه و الحلف بالمخلوق ليس شركا اكبر بل قال الشيخ
من قال انذروا لي تقضى حوائجكم يستتاب فان تاب و الا قتل لسعيه في الارض
بالفساد فجعل الشيخ قتله حدا لا كفرا و كذلك تقدم عنه من كلامه في خصوص
النذور ما فيه كفاية و لم يقولوا ايضا من طلب غير الله كفر بل يأتي ان شاء الله تعالى
ما يدل على انه ليس بكفر و لم يقولوا من ذبح لغير الله كفرا تظنهم يحكون العبارة و
لا عرفوا معناها ام هم اوهموا الناس ارادة لاغوائهم ام احالوا الناس على مفهومكم منها
الذي ما فهمه منها من اوردها و لا من حكيها عمن اوردها ام عرفتم من كلامهم ما
ان جهلوا هم ام تركوا الكفر الصراح الذي يكفر به المسلم و يحل ماله و دمه و هو
يعمل عندهم ليلا و نهارا جهارا غير خفي و تركوا ذلك ما بينوه بل بينوا خلافه حتى
جئتم انتم فاستنبطتموه من كلامهم لا و الله بل ما ارادوا ما اردتم و انهم في واد و انتم
في واد (و مما) يدل على ان كلامكم و تكفيركم ليس بصواب ان الصلاة اعظم اركان
الاسلام بعد الشهادتين و مع هذا ذكروا ان من صلاها رياء الناس ردها الله عليه و لم
يقبلها منه بل يقول الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا اشرك فيه
غيري تركته و شركه و يقول له يوم القيامة اطلب ثوابك من الذي عملت لاجله
فذكر ان ذلك يبطل العمل و لم يقولوا ان فاعل ذلك كافر حلال المال و الدم بل من
لم يكفره كما هو مذهبكم فيما اخف من ذلك بكثير و كذلك السجود الذي هو
اعظم هيئات الصلاة الذي هو اعظم من النذر و الدعاء و غيره فرقوا فيه و قالوا من
سجد لشمس او قمر او كوكب او صنم كفر و اما السجود لغير ما ذكر فلم يكفروا
به بل عدّوه في كبائر المحرمات و لكن حقيقة الامر انكم ما قلدتم اهل العلم و لا
عباراتهم و انما عمدتكم مفهومكم و استنباطكم الذي تزعمون انه الحق من انكره انكر
الضروريات و اما استدلالاتكم بمشتبه العبارات فتلبيس و لكن المقصود انما نطلب
منكم ان تبينوا لنا و للناس كلام ائمة اهل العلم بموافقة مذهبكم هذا و تنقلون كلامهم
ازاحة للشبهة و ان لم يكن عندكم الا القذف و الشتم و الرمي بالعزية و الكفر فالله
المستعان لآخر هذه الامة اسوة باولها الذين انزل الله عليهم لم يسلموا من ذلك .
{فصل} و مما يدل على عدم صوابكم في تكفير من كفرتموه و ان الدعاء و
النذر ليسا بكفر ينقل عن الملة و ذلك ان النبي صلى الله عليه و سلم امر في الحديث
الصحيح ان تدرأ الحدود بالشبهات و قد روى الحاكم في صحيحه و ابو عوانة و البزار
بسند صحيح و ابن السني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه و
سلم قال (اذا انفلتت دابة احدكم بارض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا يا عباد الله
احبسوا يا عباد الله احبسوا ثلاثا فان لله حاضرا سيحبسه ) و قد روى الطبراني (ان
اراد عونا فليقل يا عباد الله اعينوني ) ذكر هذا الحديث الائمة في كتبهم و نقلوه
اشاعة و حفظا للامة و لم ينكروه منهم النووي في الاذكار و ابن القيم في كتابه الكلم
الطيب و ابن مفلح في الآداب قال في الآداب بعد ان ذكر هذا الاثر قال عبد الله بن
الامام احمد سمعت ابي يقول حججت خمس حجج فضللت الطريق في حجة و كنت
ماشيا فجعلت اقول يا عباد الله دلونا على الطريق فلم ازل اقول ذلك حتى وقعت على
الطريق (انتهى ) اقول حيث كفرتم من سأل غائبا او ميتا بل زعمتم ان المشركين الكفار
الذين كذبوا الله ورسوله صلى الله عليه و سلم اخف شركا ممن سأل غير الله في بر او
بحر و استدللتم على ذلك بمفهومكم الذي لا يجوز لكم و لا لغيركم الاعتماد عليه هل
جعلتم هذا الحديث و عمل العلماء بمضمونه شبهة لمن فعل شيئا مما تزعمون انه شرك
اكبر فانا لله و انا اليه راجعون قال في مختصر الروضة الصحيح ان من كان من اهل
الشهادتين فانه لا يكفر ببدعة على الاطلاق ما استند فيها الى تأويل يلتبس به الامر
على مثله و هو الذي رجحه شيخنا ابو العباس ابن تيمية (انتهى ) اتظن دعاء الغائب
كفرا بالضرورة و لم يعرفه ائمة الاسلام اتظن ان على تقدير ان قولكم صواب تقوم
الحجة على الناس بكلامكم و نحن نذكر كلام الشيخ تقي الدين الذي استدللتم بعبارته
على تكفير المسلمين بالدعاء و النذر و الا ففي ما تقدم كفاية و لكن زيادته فائدة قال
الشيخ رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم من قصد بقعة يرجو الخير بقصدها و
لم تستحبه الشريعة فهو من المنكرات و بعضه اشد من بعض سواء كان شجرة او عينا
او قناة او جبلا او مفازة و اقبح ان ينذر لتلك البقعة و يقال انها تقبل النذر كما يقوله
بعض الضالين فان هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء لا يجوز الوفاء به ثم ذكر رحمه
الله تعالى في مواضع كثيرة موجود في اكثر البلاد في الحجاز منها مواضع كثيرة و قال
في مواضع آخر من الكتاب المذكور و السائلون قد يدعون دعاء محرما يحصل معه ذلك
الغرض و يحصل لهم ضرر اعظم منه ثم ذكر انه يكون له حسنات تربى على ذلك فيعفو
الله بها عنه قال و حكى لنا ان بعض المجاورين بالمدينة الى قبر النبي صلى الله عليه و سلم
اشتهى عليه نوعا من الاطعمة فجاء بعض الهاشميين اليه فقال ان النبي صلى الله عليه و
سلم بعث لك هذا و قال اخرج من عندنا فان من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا قال
الشيخ و آخرون قضيت حوائجهم و لم يقل لهم مثل ذلك لاجتهادهم او تقليدهم او
قصورهم في العلم فانه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره و لهذا عامة ما يحكى في هذا
الباب انما هو عن قاصري المعرفة و لو كان هذا شرعا او دينا لكان اهل المعرفة اولى به
ففرق بين العفو عن الفاعل و المغفرة له و بين اباحة فعله و قد علمت جماعة ممن سأل
حاجته لبعض المقبورين من الانبياء و الصالحين فقضيت حاجته و هؤلاء يخرج مما
ذكرته و ليس ذلك بشرع فيتبع و انما يثبت استحباب الافعال و كونها سنة بكتاب الله
و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما كان عليه السابقون الاولون و ما سوى
هذا من الامور المحدثة فلا تستحب و ان اشتملت احيانا على فوائد و قال ايضا صارت
النذور المحرمة في الشرع مأكل للسدنة و المجاورين العاكفين على بعض المشاهد و غيرها
و اولئك الناذرون يقول احدهم مرضت فنذرت و يقول الآخر خرج على المحاربون
فنذرت و يقول الآخر ركبت البحر فنذرت و يقول الآخر حبست فنذرت و قد قام
في نفوسهم من هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم و دفع مرهوبهم و قد اخبر
الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم ان نذر طاعة الله فضلا عن معصيته ليس سببا
للخير بل تجد كثيرا من الناس يقول ان المشهد الفلاني و المكان الفلاني يقبل النذر بمعنى
انهم نذروا له نذورا ان قضيت حاجتهم فقضيت الى ان قال و ما يروى ان رجلا جاء
الى قبر النبي صلى الله عليه و سلم فشكى اليه الجدب عام الرمادة فرآه و هو يأمره ان
يأتي عمر فيأمره ان يخرج يستسقي بالناس قال مثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي
صلى الله عليه و سلم و اعرف من هذا وقائع و كذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله
عليه و سلم او غيره من امته حاجته فتقضى له فان هذا وقع كثير و لكن عليك ان تعلم
ان اجابة النبي صلى الله عليه و سلم او غيره لهؤلاء السائلين لا يدل على استحباب
السؤال و اكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب ايمانهم
كما ان السائلين له في الحياة كانوا كذلك و قال رحمه الله ايضا حتى ان بعض القبور
يجتمع عندها في اليوم من السنة و يسافر اليها من الامصار في المحرم او في صفر او
عاشوراء او غير ذلك تقصد و يجتمع عندها فيه كما تقصد عرفة و مزدلفة في ايام
معلومة من السنة و ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين و الدنيا اشد منكرا
حتى ان بعضهم يقول نريد الحج الى قبر فلان و فلان و بالجملة هذا الذي يفعل عند
هذه القبور هو بعينه نهى عنه النبي صلى الله عليه و سلم و هذا هو الذي انكره احمد بن
حنبل رحمه الله و قال قد افرط الناس في هذا جدا و اكثروا و ذكر الامام احمد ما يفعل
عند قبر الحسين رضي الله عنه قال الشيخ و يدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة
و غيرها و ما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال انه قبر علي و قبر الحسين الى قبور
كثيرة في بلاد الاسلام لا يمكن حصرها (انتهى) كلام الشيخ فيا عباد الله تأملوا كم في
كلام الشيخ هذا من موضع يرد مفهومكم من العبارة التي تستدلون بها من كلامه و
يرد تكفيركم للمسلمين و نحن نذكر بعض ما في ذلك تتميما للفائدة (منها قوله) في
قصد البقعة و النذر في العيون و الشجر و المغارات و ما ذكره انه من المنكرات و لم
يجب الوفاء به و لم يقل ان فاعل ذلك كافر مرتد حلال المال و الدم كما قلتم (و منها)
ان من الناس من يأمر بالنذر و القصد لهذه الاشياء التي ذكرها و سماه ضالا و لم يكفره
كما قلتم (و منها ) ان هذه المواضع و هذه القبور و هذه الافاعيل ملأت بلاد الاسلام
قديما و لم يقل لا هو و لا احد من اهل العلم انها بلاد كفر كما كفرتم اهلها بل كفرتم
من لم يكفرهم (و منها) انه ذكر طلب اهل القبور و انه كثر و شاع و غاية ذلك انه
حرمه بل رفع الخطإ عن المجتهد في ذلك او المقلد او الجاهل و انتم تجعلونهم بهذه
الافاعيل اكفر ممن كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم من كفار قريش (و منها) ان
غاية ان يعلم المسلم ان هذا لم يشرعه الله و انتم تقولون هذا يعلم بالضرورة انه كفر
حتى اليهود و النصارى يعرفون ذلك و من لم يكفر فاعله فهو كافر فيا عباد الله انتبهوا
(و منها) انه قال اجابة النبي صلى الله عليه و سلم او غيره لهؤلاء السائلين الملحين لو لم
يجابوا لاضطرب ايمانهم جعلهم مؤمنين و جعل اجابة دعائهم رحمة من الله تعالى لهم لئلا
يضطرب ايمانهم و انتم تقولون من فعل فهو كافر و من لم يكفره فهو كافر (و منها)
ان هذه الامور و هي سؤال النبي صلى الله عليه و سلم حدثت في زمن الصحابة
كالذي شكى للنبي صلى الله عليه و سلم القحط و رآه في النوم فامره ان يأتي عمر و
لاذكر ان عمر انكر ذلك و انتم تجعلون مثل هذا كافرا (و منها) ان هذه الامور
حدثت من قبل زمن الامام احمد في زمان ائمة الاسلام و انكرها من انكرها منهم و لا
زالت حتى ملأت بلاد الاسلام كلها و فعلت هذه الافاعيل كلها التي تكفرون بها و لم
يرو عن احد من ائمة المسلمين انهم كفروا بذلك و لا قالوا هؤلاء مرتدون و لا امروا
بجهادهم و لا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك و حرب كما قلتم انتم بل كفرتم من لم
يكفر بهذه الافاعيل و ان لم يفعلها ايظنون ان هذه الامور من الوسائط التي في العبارة
الذي يكفر فاعلها اجماعا و تمضي قرون الائمة من ثمان مائة عام و مع هذا لم يرو عن
عالم من علماء المسلمين انها كفر بل ما يظن هذا عاقل بل و الله لازم قولكم ان جميع
الامة بعد زمان الامام احمد رحمه الله تعالى علماؤها و امراؤها و عامتها كلهم كفار
مرتدون فانا لله و انا اليه راجعون وا غوثاه الى الله ثم وا غوثاه ام تقولون كما يقول
بعض عامتكم ان الحجة ما قامت الا بكم و الا قبلكم لم يعرف دين الاسلام يا عباد
الله انتهوا و لكن بكلام الشيخ هذا يستدل عليكم على ان مفهومكم ان هذه الافاعيل
من الشرك الاكبر خطأ و ايضا و ان مفهومكم ان هذه الافاعيل داخلة في معنى عبارة
من جعل بينه و بين الله وسائط الى آخره نبهنا الله و اياكم من الضلال.
{فصل} و مما يدل على بطلان قولكم هذا ما روى مسلم في صحيحه عن
ثوبان عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (ان الله زوى لي الارض فرأيت مشارقها
و مغاربها و ان امتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها و اعطيت الكترين الاحمر و
الابيض و اني سئلت ربي لامتي ان لا يهلكها بسنة عامة و ان لا يسلط عليهم عدوا
من سوى انفسهم فيستبيح بيضتهم و ان ربي قال يا محمد إني اذا قضيت قضاء فانه
لا يرد و اني اعطيتك لامتك ان لا اهلكهم بسنة عامة و ان لا اسلط عليهم عدوا
من سوى انفسهم يستبيح بيضتهم و لو اجتمع عليهم من باقطارها ( او قال ـ من
بين اقطارهاـ) حتى يكون بعضهم يهلك بعضا و يسبي بعضهم بعضا) انتهى وجه
الدليل من هذا الحديث ان النبي صلى الله عليه و سلم اخبر انه (لا يسلط على هذه
الامة عدوا من سوى انفسهم بل يسلط بعضهم على بعض ) (و معلوم) عند الخاص و
العام ممن له معرفة بالاخبار ان هذه الامور التي تكفرون بها ملأت بلاد المسلمين من
اكثر من سبع مائة عام كما تقدم نقله و لو كانت هذه عبادة الاصنام الكبرى و انها
الوسائط كما زعمتم فكان اهلها كفار او من لم يكفرهم فهو كافر كما قلتم انتم الآن
و معلوم ان العلماء و الامراء لم يكفروهم و لم يجروا عليهم احكام اهل الردة مع ان
هذه الامور تفعل في غالب بلاد الاسلام ظاهرة غير خفية بل كما قال الشيخ صارت
مأكل لكثير من الناس و ايضا يسافرون اليها من جميع الامصار اعظم مما يسافرون الى
الحج و مع هذا كله فاخبرونا برجل واحد من اهل العلم او اهل السيف قال مقالتكم
هذه بل اجروا عليهم احكام اهل الاسلام فاذا كانوا كفارا عباد اصنام بهذه الافاعيل و
العلماء و الامراء اجروا عليهم احكام الاسلام فهم بهذا الصنيع اي العلماء و الامراء
كفار لان من لم يكفر اهل الشرك الذي يجعلون مع الله الها آخر فهو كافر فحينئذ
ليسوا من هذه الامة بل كفار سلطهم الله على هذه الامة فاستباحوا بيضتهم و هذا يرد
هذا الحديث و هو ظاهر من الحديث لمن تدبره و الله الموفق لا ربّ غيره .
(فان قلت ) روى هذا الحديث بعينه البرقاني و زاد فيه (انما اخاف على امتي
الائمة المضلين و اذا وضع عليهم السيف لم يرفع الى يوم القيامة و لا تقوم الساعة
حتى يلحق حي من امتي بالمشركين و حتى تعبد فئام من امتي الاوثان و انه يكون في
امتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم انه نبي و انا خاتم النبيين لا نبي بعدي و لا تزال
طائفة من امتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي امر الله تعالى )
(قلت) و هذا ايضا حجة عليكم يوافق الكلام الاول ان قوله صلى الله عليه و سلم انما
أخاف على امتي الائمة المضلين فهذا يدل على انه ما خاف عليهم الكفر و الشرك
الاكبر و انما يخاف عليهم الائمة المضلين كما وقع و ما هو الواقع و لو كانوا يكفرون
بعده لودّ ان يسلط عليهم من يهلكهم و مما خاف عليهم ايضا وضع السيف و اخبر انه
اذا وضع لا يرفع و كذلك وقع و هذا من آيات نبوته صلى الله عليه و سلم فانه وقع
كما اخبر و قوله (لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من امتي بالمشركين ) و هذا ايضا
وقع و قوله (و حتى تعبد فئام من امتي الاوثان ) فهذا حق و قوله (لا يزال طائفة من
امتي على الحق منصورة ) الى آخره يدل على ان هذه الامور التي ملأت بلاد الاسلام
ليست بعبادة الاوثان فلو كانت هذه الامور عبادة الاصنام لقاتلتهم الطائفة المنصورة و
لم يعهد و لم يذكر ان احدا من هذه الامة قاتل على ذلك و كفر من فعله و استحل
ماله و دمه قبلكم فان وجدتم ذلك في قديم الدهر او حديثه فبينوه و انى لكم بذلك و
هذا الذي ذكرناه واضح من اول الحديث و آخره و الحمد لله رب العالمين .
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم في تكفير من كفرتموه ما روى
البخاري في صحيحه من معاوية بن ابي سفيان رضي الله تعالى عنه قال سمعت النبي
صلى الله عليه و سلم يقول (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين و انما انا قاسم و الله
معطي و لا يزال امر هذه الامة مستقيما حتى تقوم الساعة او يأتي امر الله تعالى )
انتهى (وجه الدليل) منه ان النبي صلى الله عليه و سلم اخبر ان امر هذه الامة لا يزال
مستقيما الى آخر الدهر و معلوم ان هذه الامور التي تكفرون بها ما زالت قديما ظاهرة
ملأت البلاد كما تقدم فلو كانت هي الاصنام الكبرى و من فعل شيئا من تلك
الافاعيل عابد للاوثان لم يكن امر هذه الامة مستقيما بل منعكسا بلدهم بلد كفر تعبد
فيها الاصنام ظاهرا و تجري على عبدة الاصنام فيها احكام الاسلام فاين الاستقامة و
هذا واضح جلي.
(فان قلت ) ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في الاحاديث الصحيحة ما
يعارض هذا و قوله صلى الله عليه و سلم (لتتبعن سنن من كان من قبلكم ) و ما في
معناه و قوله صلى الله عليه و سلم (تفترق هذه الامة على ثلاث و سبعين ملة كلها
في النار ا ّ لا ملة واحدة ) (قلت ) هذا حق و لا نعارض و الحمد لله (و قد بين ) العلماء
ذلك و وضحوه و انه قوله (تفترق هذه الامة) الحديث فهؤلاء اهل الاهواء كما تقدم
ذكرهم و لم يكونوا كافرين بل كلهم مسلمون الا من اسرّ تكذيب الرسول صلى الله
عليه و سلم فهو منافق كما تقدم في كلام الشيخ من حكاية مذهب اهل السنة في ذلك
و قوله صلى الله عليه و سلم (كلها في النار الا واحدة ) فهو وعيد مثل وعيد اهل
الكبائر مثل قاتل النفس و آكل مال اليتيم و آكل الربا و غير ذلك و اما الفرقة الناجية
فهي السالمة من جميع البدع المتبعة لهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم كما بينه اهل
العلم و هذا اجماع من اهل العلم كما تقدم لك (و اما ) قوله صلى الله عليه و سلم
(لتتبعن سنن من كان قبلكم) الحديث قال الشيخ رحمه الله ليس هذا اخبارا عن جميع
الامة فقد تواتر عنه صلى الله عليه و سلم (انه لا تزا ل من امته طائفة ظاهرة على
الحق حتى تقوم الساعة) و اخبر انه (لا تجتمع على ضلالة) و انه (لا يزال يغرس في
هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته ) فعلم بخبره الصدق انه يكون في امته قوم
متمسكون بهديه الذي هو دين الاسلام محضا و قوم منحرفون الى شعبة من شعب
اليهود او شعبة من شعب النصارى و ان كان الرجل لا يكفر بكل الانحراف بل و قد
لا يفسق و قال رحمه الله الناس في مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم في جاهلية
فاما بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا جاهلية مطلقة فانه لا تزال من امته
طائفة ظاهرين الى قيام الساعة و اما الجاهلية المقيدة فقد تكون في بعض بلاد المسلمين
او في بعض الاشخاص كقوله صلى الله عليه و سلم (اربع في امتي من امر الجاهلية
فدين الجاهلية لا يعود الى آخر الدهر عند اخترام انفس جميع المؤمنين عموما )
(انتهى) كلام الشيخ رحمه الله تعالى فقد تبين لك ان دين الاسلام ملأ بلاد الاسلام
بنص احاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و بما فسره به العلماء الاعلام و ان كل
الفرق على الاسلام بخلاف قولكم هذا فان صح مذهبكم فلم يبق على الارض مسلم
من ثمان مائة سنة الا انتم و العجب كل العجب ان الفرقة الناجية و صفها رسول الله
صلى الله عليه و سلم باوصاف و كذلك وصفها اهل العلم و ليس فيكم خصلة واحدة
منها فانا لله و انا اليه راجعون.
{فصل} و مما يدل على عدم صحة مذهبكم ما رواه البيهقي و ابن عدي و
غيرهم عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله
ينفون عنه تحريف العالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ) قال في الآداب قال هنا
سألت احمد عن هذا الحديث قال صحيح (انتهى) قال ابن القيم هذا حديث روي من
وجوه يشد بعضها بعضا و وجه الدليل منه ان النبي صلى الله عليه و سلم وصف حملة
علمه الذي بعثه الله به انهم عدول كل طبقة من طبقات الامة و قد تقدم مرارا ان هذه
الافاعيل التي تجعلون من فعلها كافرا موجودة في الامة وجودا ظاهرا من اكثر من
سبعمائة عام بل قد ذكر ابن القيم انها ملأت الارض و اخبر ان في الشام و غيره من
بلاد المسلمين بل في كل بلد منها عدة و اخبر بامور عظيمة هائلة تعمل عندها من
السجود للقبور و الذبح لها و طلب تفريج الكربات و اغاثة اللهفان من اهلها و النذور
و غير ذلك ثم اقسم انه مقتصر فيما حكى عنهم و ان فعلهم اعظم و اكثر مما ذكره و
قال لم نستقص ذكر بدعتهم و شركهم و مع هذا لم يجر عليهم و لا احد من اهل
العلم من طبقة و لا الطبقات قبله و لا بعده من جميع اهل العلم الذين وصفهم صلى
الله عليه و سلم بالعدالة و بحفظ الدين عن غلو الغالين و تأوّل الجاهلين و انتحال
المبطلين لم يجر عليهم احد منهم الكفر الظاهر و لم يسموا بلاد المسلمين بلاد كفار و
لا غزوا البلاد و العباد و سموهم مشركين هذا و هم القائمون بنصرة الحق و هم الطائفة
المنصورة الى قيام الساعة بل ذكر ابن القيم ان هذه الافاعيل التي تكفرون بها بل
تكفرون من لا يكفر بها بل تزعمون انها عبادة الاصنام الكبرى كثرت في بلاد الاسلام
حتى قال فما اعز من تخلص من هذا بل اعز من لا يعادي من انكره فذكر ان غالب
الامة تفعله و الذي لا يفعله ينكر على ما انكره و يعاديه اذا انكره فلو كان ما ذهبتم
اليه حقا لكانت جميع الامة و العياذ بالله كلها اشركت بالله الشرك الاكبر و حسنت
فعله و انكرت على من انكره من قبل زمن ابن القيم فحينئذ يرد قولكم هذا الحديث و
الحديث الذي قبله و الاحاديث التي تأتي ان شاء الله تعالى و هذا بين واضح لمن وفق و
الحمد لله.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما ورد في الصحيحين عن النبي
صلى الله عليه و سلم انه قال (لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لا يضرهم
من خذلهم و لا من خالفهم الى يوم القيامة ) قال الشيخ تقي الدين لما ذكر هذا
الحديث كانت هذه الامة كما اخبر به صلى الله عليه و سلم انه قال لا تزال فيها طائفة
منصورة ظاهرة بالعلم و السيف لم يصبها ما اصاب من قبلها من بني اسرائيل و غيرهم
حيث كانوا مقهورين مع الاعداء بل ان غلبت في قطر من الارض كانت في القطر
الآخر امة ظاهرة منصورة و لم يسلط على مجموعها عدوا من غيرهم و لكن يقع بينهم
اختلاف و فتن قال و مذهب اهل السنة و الجماعة ظاهرون اهله الى يوم القيامة و هم
الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم لا تزال طائفة من امتي الحديث (انتهى )
اقول وجه الدلالة من هذا الحديث ان هذه الطائفة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه
و سلم ظاهرة ليست بخفية كما يزعم عندكم و ايضا منصورة ليسوا باذلاء مختفين و
ايضا ما خلت بلاد الاسلام منهم يوما و ايضا كما قال الشيخ لم يسلط عليهم الاعداء
و تقهرهم فاذا كانت هذه اوصافهم بنص الصادق المصدوق و هذه الامور التي
تكفرون بها ملأت بلاد الاسلام من اكثر من سبع مائة عام و انتم تزعمون ان هذه
عبادة غير الله و ان هذه الوسائط المذكورة في القرآن و مع هذا لم يذكر في زمن من
الازمان ان احدا قال ما قلتم او عمل ما عملتم بل ما تجدون ما تحتجون لشبهتكم الا
ان عليا قتل من قال انت الله و ان الصديق قاتل اهل الردة او بعبارة مجملة يعرف كل
من له ممارسة في العلم ان مفهومكم هذا منها ضحكة فالحمد لله على زوال الالتباس و
الاشتباه اما و الله ان هذا الحديث وحده يكفي في بطلان قولكم لو كان ثم اذن واعية
نسأل الله ان ينقذكم من الهلكة انه جواد كريم.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما في الصحيحين عن ابي هريرة
رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (رأس الكفر نحو المشرق) و
في رواية (الايمان يماني و الفتنة من ههنا حيث يطلع قرن الشيطان) و في الصحيحين
ايضا عن ابن عمر رضي ا لله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال و هو
مستقبل المشرق (ان الفتنة ههنا ) و للبخاري عنه مرفوعا (اللّهمّ بارك لنا في شامنا و
يمننا اللّهمّ بارك لنا في شامنا و يمننا ) قالوا و في نجدنا قال (اللّهمّ بارك لنا في شامنا و
يمننا) قالوا و في نجدنا قال الثالثة (هناك الزلازل و الفتن و منها يطلع قرن الشيطان)
و لاحمد من حديث ابن عمر مرفوعا (اللّهمّ بارك لنا في مدينتنا و في صاعنا و في م دنا
و يمننا و شامنا) ثم استقبل مطلع الشمس فقال (ههنا يطلع قرن الشيطان ) و قال (من
ههنا الزلازل و الفتن) (انتهى ) اقول اشهد ان رسول الله صلى الله عليه و سلم لصادق
فصلوات الله و سلامه و بركاته عليه و على آله و صحبه اجمعين لقد ادى الامانة و بلغ
الرسالة قال الشيخ تقي الدين فالمشرق عن مدينته صلى الله عليه و سلم شرقا و منها
خرج مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة و هو اول حادث حدث بعده و ا تبعه خلائق
و قاتلهم خليفته الصديق (انتهى ) وجه الدلالة من هذا الحديث من وجوه كثيرة نذكر
بعضها (منها) ان النبي صلى الله عليه و سلم ذكر (ان الايمان يماني و الفتنة تخرج من
المشرق) ذكرها مرارا (و منها) ان النبي صلى الله عليه و سلم دعى للحجاز و اهله
مرارا و ابى ان يدعو لاهل المشرق لما فيهم من الفتن خصوصا نجد (و منها) ان اول
فتنة وقعت بعده صلى الله عليه و سلم وقعت بارضنا هذه فنقول هذه الامور التي
تجعلون المسلم بها كافرا بل تكفرون من لم يكفره ملأت مكة و المدينة و اليمن من
سنين متطاولة (بل بلغنا) ان ما في الارض اكثر من هذه الامور في اليمن و الحرمين و
بلدنا هذه هي اول من ظهر فيها الفتن و لا نعلم في بلاد المسلمين اكثر من فتنها قديما
و حديثا و انتم الآن مذهبكم انه يجب على العامة اتباع مذهبكم و ان من اتبعه و لم
يقدر على اظهاره في بلده و تكفير اهل بلده وجب عليه الهجرة اليكم و انكم الطائفة
المنصورة و هذا خلاف هذا الحديث فان رسول الله صلى الله عليه و سلم اخبره الله بما
هو كائن على امته الى يوم القيامة و هو صلى الله عليه و سلم اخبر بما يجري عليهم و
منهم فلو علم ان بلاد المشرق خصوصا نجد بلاد مسيلمة انها تصير دار الايمان و ان
الطائفة المنصورة تكون بها و انها بلاد يظهر فيها الايمان و لا يخفى في غيرها و ان
الحرمين الشريفين و اليمن تكون بلاد كفر تعبد فيها الاوثان و تجب الهجرة منها لاخبر
بذلك و لدعى لاهل المشرق خصوصا نجد و لدعى على الحرمين و اليمن و اخبر انهم
يعبدون الاصنام و تبرأ منهم اذ لم يكن الا ضد ذلك فانه صلى الله عليه و سلم عم
المشرق وخص نجد بان منها يطلع قرن الشيطان وان منها وفيها الفتن وامتنع من الدعاء
لها و هذا خلاف زعمكم و ان اليوم عندكم الذين دعى لهم رسول الله صلى الله عليه
و سلم كفار و الذين ابى ان يدعو لهم و اخبر ان منها يطلع قرن الشيطان و ان منها
الفتن هي بلاد الايمان تجب الهجرة اليها و هذا بين واضح من الاحاديث ان شاء الله.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما في الصحيحين عن عقبة بن عامر
ان النبي صلى الله عليه و سلم صعد المنبر فقال (اني لست اخشى عليكم ان تشركوا
بعدي و لكن اخشى عليكم الدنيا ان تنافسوا فيها فتقتلوا فتهلكوا كما هلك من
كان قبلكم) قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر
(انتهى) وجه الدلالة منه ان النبي صلى الله عليه و سلم اخبر بجميع ما يقع على امته و
منهم الى يوم القيامة كما ذكر في احاديث آخر ليس هذا موضعها و مما اخبر به هذا
الحديث الصحيح انه امن ان امته تعبد الاوثان و لم يخافه عليهم و اخبرهم بذلك و اما
الذي يخافه عليهم فاخبرهم به و حذرهم منه و مع هذا فوقع ما خافه عليهم و هذا
خلاف مذهبكم فان امته على قولكم عبدوا الاصنام كلهم و ملأت الاوثان بلادهم الا
ان كان احد في اطراف الارض ما يلحق له خبر و الا فمن اطراف الشرق الى اطراف
الغرب الى الروم الى اليمن كل هذا ممتلئ مما زعمتم انه الاصنام و قلتم من لم يكفر من
فعل هذه الامور و الافعال فهو كافر و معلوم ان المسلمين كلهم اجروا الاسلام على
من انتسب اليه و لم يكفروا من فعل هذا فعلى قولكم جميع بلاد الاسلام كفار الا
بلدكم و العجب ان هذا ما حدث في بلدكم الا من قريب عشر سنة فبان بهذا الحديث
خطأكم و الحمد لله رب العالمين .
(فان قلت ) ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (اخوف ما اخاف
عليكم الشرك) (قلت) هذا حق و احاديث الرسول صلى الله عليه و سلم لا تتعارض
و لكن كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم انه يخاف على امته الشرك قيده
بالشرك الاصغر كحديث شداد بن اوس و حديث ابي هريرة و حديث محمود بن لبيد
فكلها مقيدة و مبينة انما خاف رسول الله صلى الله عليه و سلم منه على امته الشرك
الاصغر و كذلك وقع فانه ملأ الارض كما انه خاف عليهم الافتتان و القتال على
الدنيا فوقع و هو اي الشرك الاصغر هو الذي تسمونه الآن الشرك الاكبر و تكفرون
المسلمين به بل تكفرون من لم يكفرهم فاتفقت الاحاديث و بان الحق و وضح و
الحمد لله.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما روى مسلم في صحيحه عن
جابر ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (ان الشيطان قد ايس ان
يعبده المصلون في جزيرة العرب و لكن في التحريش بينهم ) و روى الحاكم و
صححه و ابو يعلى و البيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
(ان الشيطان قد أيس ان تعبد الاصنام بارض العرب و لكن رضي منهم بما دون
ذلك بالمحقرات ) و هي الموبقات و روى الامام احمد و الحاكم و صححه و ابن ماجه
عن شداد بن اوس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (اتخوف على
امتي الشرك) قلت يا رسول الله أتشرك امتك بعدك قال (نعم اما انهم لا يعبدون شمسا
و لا قمرا و لا وثنا و لكن يراؤن باعمالهم ) (انتهى) اقول وجه الدلالة منه كما تقدم
ان الله سبحانه اعلم نبيه من غيبه بما شاء و بما هو كائن الى يوم القيامة و اخبر صلى الله
عليه و سلم ان الشيطان قد ايس ان يعبده المصلون في جزيرة العرب و في حديث ابن
مسعود (أيس الشيطان ان تعبد الاصنام بارض العرب ) و في حديث شداد (انهم لا
يعبدون وثنا) و هذا بخلاف مذهبكم فان البصرة و ما حولها و العراق من دون دجلة
الموضع الذي فيه قبر علي و قبر الحسين رضي الله تعالى عنهما و كذلك اليمن كلها و
الحجاز كل ذلك من ارض العرب و مذهبكم ان هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها
و عبدت الاصنام و كلهم كفار و من لم يكفرهم فهو عندكم كافر و هذه الاحاديث
ترد مذهبكم و هذا لا يقال انه قد وجد بعض الشرك بارض العرب زمن الردة فان
ذلك زال في آن يسير فهو كالامر الذي عرض لا يعتد به كما ان رجلا او اكثر من
اهل الكفر دخل ارض العرب و عبد غير الله في موضع خال او خفية فاما هذه الامور
التي تجعلونها شركا اكبر و عبادة الاصنام فهي ملأت بلاد العرب من قرون متداولة
فتبين بهذه الاحاديث فساد قولكم ان هذه الامور هي عبادة الاوثان الكبرى و تبين
ايضا بطلان قولكم ان الفرقة الناجية قد تكون في بعض اطراف الارض و لا يأتي لها
خبر فلو كانت هذه عبادة الاصنام و الشرك الاكبر لقاتل اهله الفرقة الناجية المنصورون
الظاهرون الى قيام الساعة و هذا الذي ذكرناه واضح جلي و الحمد لله ربّ العالمين و
من العجب انكم تزعمون ان هذه الامور اي القبور و ما يعمل عندها و النذور هي
عبادة الاصنام الكبرى و تقولون ان هذا امر واضح جلي يعرف بالضرورة حتى اليهود
و النصارى يعرفونه (فاقول) جوابا لكم عن هذا الزعم الفاسد سبحانك هذا بهتان
عظيم قد تقدم مرارا عديدة ان الامة باجمعها على طبقاتها من قرب ثمان مائة سنة ملأت
هذه القبور بلادها و لم يقولوا هذه عبادة الاصنام الكبرى و لم يقولوا ان من فعل شيئا
من هذه الامور فقد جعل مع الله الها آخر و لم يجروا على اهلها حكم عباد الاصنام و
لا حكم المرتدين اي ردة كانت (فلو انكم قلتم ) ان اليهود لانهم قوم بهت و كذلك
النصارى و من ضاهاهم في بهت هذه الامة من متبدعة الامة يقولون ان هذه عبادة
الاصنام الكبرى لقلنا صدقتم فما ذلك من بهتهم و حسدهم و غلوهم و رميهم الامة
بالعظائم بكثير و لكن الله سبحانه و تعالى مخزيهم و مظهر دينه على جميع الاديان
بوعده (هُوَ الَّذِي َارْسَل رَسُوَلهُ بِْالهدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عََلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلوْ كرِهَ اْلمُشْرِكون ) التوبة: 33
و لكن اقول صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث دعى للمدينة و ما حولها و لليمن و قال له
من حضره و نجد فقال (هناك الزلازل و الفتن ) اما و الله لفتنة الشهوات فتنة و الظلمة التي يعرف كل خاص و عام
من اهلها انها من الظلم و التعدي و انها خلاف دين الاسلام و انه يجب التوبة منها انها
اخف بكثير من فتنة الشبهات التي تضل عن دين الاسلام و يكون صاحبها من
(الاخْسَرِينَ َاعْمَالا * َالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنيَا و هُمْ يَحْسَبُون َانهمْ يحسنون صنعا) الكهف: 103و104
و في الحديث الصحيح (هلك المتنطعون)
قالها ثلاثا فانا لله و انا اليه راجعون انقذنا الله و اياكم من الهلكة انه رحيم .
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما اخرجه الامام احمد و الترمذي و
صححه و النسائي و ابن ماجة من حديث عمرو بن الاحوص قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه و سلم يقول في حجة الوداع (الا ان الشيطان قد أيس ان يعبد في
بلدكم هذا ابدا و لكن ستكون له طاعة في بعض ما تحقرون من اعمالكم فيرض بها )
و في صحيح الحاكم عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه و سلم خطب في حجة
الوداع فقال (الشيطان قد ايس ان يعبد في ارضكم و لكن يرضى ان يطاع فيما
سوى ذلك فيما تحقرون من اعمالكم فاحذروا ايها الناس اني تركت فيكم ما ان
اعتصمتم به لم تضلوا ابدا كتاب الله و سنة نبيه) (انتهى) وجه الدلالة ان رسول الله
صلى الله عليه و سلم اخبر في هذا الحديث الصحيح (ان الشيطان يئس ان يعبد في بلد
مكة) وكذلك بقوله (ابدا) لئلا يتوهم متوهم انه حد ثم يزول و هذا خبر منه صلى الله
عليه و سلم و هو لا يخبر بخلاف ما يقع و ايضا بشرى منه صلى الله عليه و سلم لامته
و هو لا يبشرهم الا بالصدق و لكنه حذرهم ما سوى عبادة الاصنام لا ما يحتقرون و
هذا بين واضح من الحديث و هذه الامور التي تجعلونها الشرك الاكبر و تسمون اهلها
عباد الاصنام اكثر ما تكون بمكة المشرفة و اهل مكة المشرفة امراؤها و علماؤها و
عامتها على هذا من مدة طويلة اكثر من ستة مائة عام و مع هذا هم الآن اعداؤكم
يسبونكم و يلعنونكم لاجل مذهبكم هذا و احكامهم و حكامهم جارية و علماؤها و
امراؤها على اجراء احكام الاسلام على اهل هذه الامور التي تجعلونها الشرك الاكبر فان
كان ما زعمتم حقا فهم كفار كفرا ظاهرا و هذه الاحاديث ترد زعمكم و تبين
بطلان مذهبكم هذا و قد قال صلى الله عليه و سلم في الاحاديث التي في الصحيحين و
غيرها بعد فتح مكة و هو بها لا هجرة بعد اليوم و قد بين اهل العلم ان المراد لا هجرة
من مكة و بينوا ايضا ان هذا الكلام منه صلى الله عليه و سلم يدل على ان مكة لا
تزال دار ايمان بخلاف مذهبكم فانكم توجبون الهجرة منها الى بلاد الايمان بزعمكم التي
سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم بلاد الفتن و هذا واضح جلي صريح لمن وفقه
الله و ترك التعصب و التمادي على الباطل و الله المستعان و عليه التكلان.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما روى مسلم في صحيحه عن
سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا
يسعها احد رغبة عنها الا ابدله الله فيها من هو خير منه و لا يثبت احد الى لاوائها
وجهدها الا كنت له شفيعا او شهيدا يوم القيامة ) و روى ايضا مسلم في صحيحه
عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (لا يصبر على لاوى المدينة و
شدتها احد من امتي الا كنت له شفيعا يوم القيامة ) و في الصحيحين من حديث جابر
مرفوعا (انما المدينة كالكير تنفي خبثها و تضع طيبها ) و في الصحيحين ايضا عن النبي
صلى الله عليه و سلم (على انقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون و لا الدجال )
و في الصحيحين ايضا من حديث انس عن النبي صلى الله عليه و سلم (ليس من بلد
الا سيطؤه الدجال الا مكة و المدينة ليس نقب من انقابها الا عليه ملائكة حافين )
الحديث و في الصحيحين من حديث ابي سعيد مرفوعا (لا يكيد المدينة احد الا انماع
كما ينماع الملح في الماء ) و في الترمذي من حديث ابي هريرة برفعه (آخر قرية من
قرى الاسلام خرابا المدينة) وجه الدلالة من هذه الاحاديث من وجوه كثيرة نذكر
بعضها احدها ان النبي صلى الله عليه و سلم حث على سكنى المدينة و اخبر انه اخير
من غيرها و ان احدا لا يدعها رغبة عنها الا ابدلها الله بخير منه و اخبر انه صلى الله
عليه و سلم شفيع لمن سكنها و شهيد له يوم القيامة و ذكر ان ذلك لامته ليس لقرن
دون قرن و ان احدا لا يدعها الا لعدم علمه و انها كالكير تنفي خبثها و انها محروسة
بالملائكة لا يدخلها الطاعون و لا الدجال آخر الدهر و ان احدا لا يكيدها الا انماع
كالملح في الماء و قال (من استطاع ان يموت فيها فليمت ) و اخبر انها آخر قرية من
قرى الاسلام خرابا و كل لفظ من هذه الالفاظ تدل على خلاف قولكم ان هذه
الامور التي تكفرون بها و تسمونها اصناما و من فعل شيئا منها فهو مشرك الشرك
الاكبر عابد وثن و من لم يكفره فهو عندكم كافر معلوم عند كل من عرف المدينة و
اهلها ان هذه الامور فيها كثير و اكثر منه في الزبير و في جميع قرى الاسلام و ذلك
فيها من قرون متطاولة تزيد على اكثر من ستمائة سنة و ان جميع اهلها رؤساؤها و
علماؤها و امراؤها يجرون على اهلها احكام الاسلام و انهم اعداؤكم يسبونكم و
يسبون مذهبكم الذي هو التكفير و تسميته هذه اصناما و آلهة مع الله فعلى مذهبكم
انهم كفار فهذه الاحاديث ترد مذهبكم و على مذهبكم انه يجب على المسلم الخروج
منها و هذه الاحاديث ترد مذهبكم و على زعمكم انها تعبد فيها الاصنام الكبرى و
هذه الاحاديث ترد زعمكم و على مذهبكم ان الخروج اليكم خير لهم و هذه
الاحاديث ترد زعمكم و على مذهبكم ان اهلها لا يشفع لهم رسول الله صلى الله عليه
و سلم لان من جعل مع الله الها آخر فبالاجماع هو شفيع يطاع و هذه الاحاديث ترد
زعمكم و مما يزيد الامر وضوحا ان مما بشر به النبي صلى الله عليه و سلم ان الدجال
الذي يأتي آخر الزمان لا يدخلها و الدجال لا فتنة اكبر من فتنته و غاية ما يطلب من
الناس عبادة غير الله فاذا كانت هذه الامور التي تسمون من فعلها جاعلا مع الله الها
آخر عابد صنم مشركا بالله الشرك الاكبر ملأت المدينة من ستمائة او سبعمائة سنة او
اكثر او اقل حتى ان جميع اهلها يعادون و ينكرون على ما انكره فما فائدة عدم دخول
الدجال و هو ما يطلب من الناس الا الشرك و ما فائدة بشرى النبي صلى الله عليه و
سلم بعدم دخوله على المشركين فانا لله و انا اليه راجعون لو تعرفون لازم مذهبكم بل
صريح قولكم لاستحييتم من الناس ان لم تستحيوا من الله و من تأمل هذه الاحاديث
وجد فيها اكثر مما ذكرنا يدل على بطلان قولكم هذا و لكن لا حياة لمن تنادى اسأل
الله لي و لكم العافية و السلامة من الفتن.
{فصل} و مما يدل على بطلان مذهبكم ما روى مسلم في صحيحه عن
عائشة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (لا يذهب
الليل و النهار حتى تعبد اللات و العزى) فقلت يا رسول الله ان كنت لاظن حين
انزل الله تعالى (هُوَ الَّذِي َارْسَل رَسُوَلهُ بِاْلهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عََلى الدِّينِ كُلِّهِ وَ
َلوْ َ كرِهَ اْلمُشْرِكون ) التوبة: 33 ان ذلك تام قال (انه سيكون من ذلك ما شاء الله
ثم يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال من خردل من ايمان فيبقى من لا
خير فيه فيرجعون الى دين آبائهم ) و عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه و
سلم قال (لا يزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح ) و
عن جابر ابن سمرة عن النبي صلى الله عليه و سلم (لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل
عليه عصابة المسلمين حتى تقوم الساعة ) رواه مسلم و عن عقبة بن عامر قال سمعت
رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (لا يزال عصابة من امتي يقاتلون على امر الله
قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة و هم على ذلك ) فقال
عبد الله بن عمر اجل ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها مس الحرير لا تترك انسانا
في قلبه مثقال حبة من ايمان الا قبضته ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة رواه
مسلم و روى مسلم ايضا عن عبد الله بن عمر و قال قال رسول الله صلى الله عليه و
سلم (يخرج الدجال في امتي فيمكث اربعين ) و ذكر الحديث و فيه ان عيسى يقتل
الدجال و ذكر الريح و قبض ارواح المؤمنين و يبقى شرار الناس الى ان قال و يتمثل
لهم الشيطان فيقول الا تستجيبون فيقولون ما ذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الاوثان و ذكر
الحديث اقول في هذه الاحاديث الصحيحة ابين دلالة على بطلان مذهبكم و هي ان
جميع هذه الاحاديث مصرحة بان الاصنام لا تعبد في هذه الامة الا بعد انخرام انفس
جميع المؤمنين آخر الدهر و ذلك ان النبي صلى الله عليه و سلم ذكر عبادة الاوثان و
انها كائنة فعرضت عليه الصديقة مفهومها من الآية الكريمة ان دين محمّد صلى الله عليه
و سلم لا يزال ظاهرا على الدين كله و ذلك ان عبادة الاصنام لا تكون مع ظهور
الدين فبين لها صلى الله عليه و سلم مراده في ذلك و اخبرها ان مفهومها من الآية حق
و ان عبادة الاصنام لا تكون الا بعد انخرام انفس جميع المؤمنين و اما قبل ذلك فلا و
هذا بخلاف مذهبكم فان اللات و العزى عبدت على قولكم في جميع بلاد المسلمين من
قرون متطاولة و لم يبق الا بلادكم من ان ظهر قولكم هذا من قريب ثمان سنين
فزعمتم ان من وافقكم على جميع قولكم فهو المسلم و من خالفكم فهو الكافر و هذا
الحديث الصحيح و هو يبين بطلان ما ذهبتم اليه لمن له اذن واعية و ايضا في حديث
عمران ان الطائفة المنصورة لا تزال تقاتل على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال
و كذلك حديث عقبة ان العصابة يقاتلون على الحق و انهم لا يزالون قاهرين لعدوهم
حتى تأتيهم الساعة و هم على ذلك و معلوم ان الدجال غاية ما يدعوهم اليه عبادة غير
الله تعالى فاذا كان ان عبادة غير الله تعالى ظاهرة في جميع بلاد المسلمين فما فائدة فتنة
الدجال التي حذر عنها جميع الانبياء امر مهم و كذلك نبينا صلى الله عليه و سلم حذر
من فتنته و اين العصابة الذين يقاتلون على الحق الذين آخرهم يقاتل الدجال عن قتال
هؤلاء المشركين على زعمكم الذين يجعلون مع الله الهة اخرى أتقولون خفيون ففي
هذه الاحاديث انهم ظاهرين أتقولون مستضعفون ففي هذه الاحاديث انهم قاهرين
لعدوهم أتقولون يأتون زمن الدجال ففي هذه الاحاديث انهم ما زالوا و لا يزالون
أتقولون انهم انتم فانتم مدتكم قريبة من ثمان سنين اخبرونا من قال هذا القول قبلكم
حتى نصدقكم و الا فلستم هم (ففي) هذا و الله اعظم الرد عليكم و البيان لفساد
قولكم فصلوات الله و سلامه على من اتى بالشريعة الكاملة التي فيها بيان ضلال كل
ضال و كذلك في حديث عبد الله بن عمر و ان الشيطان بعد انخرام انفس المؤمنين
يتمثل للناس يدعوهم الي الاستجابة فيقولون له فماذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الاوثان
فاذا كان ان بلاد المسلمين حجازا و يمنا و شاما و شرقا و غربا امتلأت من الاصنام و
عبادتها على زعمكم فما فائدة الاخبار بهذه الاحاديث ان الاوثان لا تعبدا ّ لا بعد ان
يتوفى الله سبحانه و تعالى كل من في قلبه حبة خردل من ايمان و ما فائدة قتال الدجال
آخر الزمان و في هذه الازمان المتطاولة من قريب ستمائة سنة او سبعمائة سنة ما
يقاتلون اهل الاوثان و الاصنام على زعمكم و الله كما قال تبارك و تعالى (َفاِنَّهَا َ لا
تَعْمَى ْالابْصَارُ و َلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحج: 46 و في هذه
الوجوه التي ذكرنا من السنة كفاية لمن قصده اتباع الحق و سلوك الصراط المستقيم و
اما من اعماه الهوى و رؤية النفس فهو كما قال جل و علا (وَ َلوْ َانَّنَا نَزَّْلنَآ اَِليْهِمُ
الْمََلئِكَة وَ َكلَّمَهُمُ اْلمَوْتَى وَ حَشَرْنَا عََليْهِمْ كُلَّ شَيْ ء قُبُلا مَا َ كانُوا لِيُؤْمِنوا اِلاَّ َان
يَشَآءَ اللهُ ) الانعام: 111 و نحن نعترض على من خالف الشرع و نسأله بالله الذي لا
اله الا هو ان يعطونا من انفسهم شرع الله الذي انزل على رسوله و بيننا و بينهم من
ارادوا من علماء الامة و لهم علينا عهد الله و ميثاقه ان كان الحق معهم لنتبعنهم و لكن
من ا